مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، أما بعد؛
فإن أعظم ما بنى عليه الشيعة مذهبهم وأكثره تداولاً على ألسنتهم دعوى واحدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ صراحةً على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفةً من بعده، وأن هذا النص ثابت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية. وهذه الدعوى هي أصل مذهبهم وعموده الفقري، فإن سقطت سقط معها البناء كله.
وسيتناول هذا المقال هذه الدعوى من مصادرها: القرآن الكريم الذي يحتجون به، وحديث الغدير الذي هو أعظم أدلتهم، وآية التبليغ التي يجعلونها ركيزتهم، ثم يردّ عليها رداً علمياً محكماً يكشف زيفها وبطلانها.
أولاً: دعوى النص في القرآن الكريم
الآية الأولى: آية التبليغ
يستدل الشيعة على النص بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]. ويزعمون أنها نزلت في غدير خم آمرةً النبي بإعلان إمامة علي.
الرد من أربعة وجوه:
الوجه الأول: هذه الآية مكية النزول في الأصل، وقد نزلت في سياق الأمر بتبليغ الرسالة الإسلامية كاملةً دون خشية من أحد، لا في حادثة بعينها. ولو كانت نزلت في إمامة علي لكان السياق القرآني كله مضطرباً، إذ يُفضي ذلك إلى أن الرسول كان يُحجم عن تبليغ ركنٍ من أركان الدين حتى نزلت آية تأمره بذلك. وهذا طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم لا يليق بمقامه.
الوجه الثاني: الآية الكريمة لا تذكر علياً ولا الإمامة ولا الخلافة بحرف واحد. فمن أين جاء الشيعة بهذه الإضافة؟ الجواب في رواياتهم هم: ادَّعوا في الكافي والتفاسير الشيعية أن الآية نزلت بلفظ “بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك في عليٍّ”، أي ادَّعوا أن القرآن الموجود ناقص وأن كلمة “في علي” كانت فيه فحُذفت! وهذا يعني أن استدلالهم بهذه الآية على الإمامة لا يتم إلا بالاعتراف بتحريف القرآن أولاً، فالاستدلال مبنيٌّ على دعوى تحريف لا يقبلها مسلم.
الوجه الثالث: الآية نزلت بعد اكتمال الدين، وقد ثبت في الصحيحين أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] نزلت يوم عرفة في حجة الوداع. فكيف يكون الدين قد اكتمل ثم يبقى ركنٌ أساسي كالإمامة لم يُبلَّغ بعد؟
الوجه الرابع: لو كانت الإمامة واجب التبليغ بموجب هذه الآية، فلماذا لم ينقل الصحابة الذين شهدوا الغدير بالآلاف أن النبي قال: “إن عليًا خليفتي من بعدي”؟ الحديث المتواتر الذي يرويه المسلمون هو: “من كنت مولاه فعلي مولاه”، وليس فيه لفظ الخلافة ولا الإمامة كما سيأتي.
الآية الثانية: آية الولاية
يستدل الشيعة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]. ويزعمون أنها نزلت في علي حين تصدَّق بخاتمه وهو راكع.
الرد:
الوجه الأول: لفظ “وليٌّكم” في الآية مشترك بين المحبة والنصرة والإمامة، ولا دليل على تخصيصه بالإمامة السياسية دون المحبة والموالاة. وقد فسَّر جمهور المفسرين الولاية هنا بولاية المحبة والنصرة لا الحكم والإمارة.
الوجه الثاني: الآية جاءت بصيغة الجمع ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، والجمع لا يُصرف إلى الواحد إلا بقرينة صارفة. فالآية تتحدث عن صفة المؤمنين عامةً الذين يُقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة، لا عن شخص بعينه.
الوجه الثالث: الصلاة لا تجوز فيها أعمال الدنيا من بيع وشراء وعطاء، فالتصدق بالخاتم في أثناء الركوع إن صحَّ خبره فهو مشكل من الناحية الفقهية، ولا يُبنى على رواية مشكلة حكمٌ عقدي جسيم كالإمامة.
ثانياً: دعوى النص في السنة النبوية: حديث الغدير
حديث الغدير هو أعظم أدلة الشيعة وأكثرها تداولاً، ولذلك يستحق التأمل المفصَّل والرد المحكم.
نص الحديث
قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في حجة الوداع: “من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”. [رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني].
وأهل السنة يُقرُّون بصحة أصل هذا الحديث ولا يُنكرونه، لأن في إقراره حجة عليهم تكشف تحريف الشيعة لمعناه.
الرد على الاستدلال به على الإمامة من سبعة وجوه:
الوجه الأول: معنى “مولى” في اللغة العربية لا يعني الخليفة
كلمة “مولى” في اللغة العربية تحمل أكثر من عشرة معانٍ، منها: الناصر، والمحب، والحليف، والجار، والعتيق، والمعتِق. قال الإمام الشافعي رحمه الله في معنى الحديث: “يعني بذلك ولاء الإسلام”. وقال الحسن بن الحسن: “لو كان رسول الله يعني بذلك الأمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال: إن هذا ولي أمركم من بعدي”. ولم يقل ذلك.
وقد جاء في سياق الحديث ذاته ما يحسم المعنى، إذ قال النبي قبلها: “ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟” ثم قال: “من كنت مولاه فعلي مولاه”. فالفاء تُفيد التفريع، والسياق يدل على أن المقصود: كما أنني أولى بكم بمعنى المحبة والنصرة، فعليٌّ كذلك. ولا يُمكن أن يكون المعنى أنه خليفة مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: الحديث لم يتضمن لفظ “بعدي” وهو شرط لازم
أعظم ما يُسقط استدلال الشيعة أن الحديث خلا من كلمة “بعدي” بالكلية في أي رواية صحيحة له. وإذا كان المراد تعيين الخليفة لكان لزاماً أن يقول النبي: “من كنت مولاه فعلي مولاه من بعدي”، لأن علياً لا يمكنه أن يكون إماماً وخليفةً للمسلمين في وجود النبي صلى الله عليه وسلم. وغياب هذا القيد الجوهري يُبطل دعوى الخلافة من أساسها.
الوجه الثالث: سبب الحديث يكشف المعنى الحقيقي
ثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث في سياق الدفاع عن علي رضي الله عنه حين كثرت الشكايات منه بعد غزوة اليمن. فأراد النبي أن يُبيِّن للناس أن علياً محبوبه وصفيُّه وأن يعلنوا موالاته ومحبته وترك معاداته. وهذا السياق يدل دلالةً قاطعة على أن “المولى” هنا بمعنى المحب والناصر لا الخليفة.
الوجه الرابع: علي رضي الله عنه نفسه أنكر دلالة الحديث على الخلافة
ثبت في أمهات كتب الحديث أن رجالاً جاؤوا إلى علي رضي الله عنه في الرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا. فقال علي: “كيف أكون مولاكم وأنتم قومٌ عرب؟!” فعلي نفسه أنكر أن تكون كلمة “مولى” دالةً على الإمارة والخلافة. فكيف يحتج الشيعة بحديث على معنى ينكره صاحبه؟
الوجه الخامس: الصحابة فهموا الحديث بمعنى المحبة والموالاة لا الخلافة
نقلت المصادر أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قالا لعلي بعد الحديث: “بخٍ بخٍ لك يا علي، لقد أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة”. وهذا يدل على أنهما فهما من الحديث الموالاة والمحبة، إذ لو فهما منه تعيين علي خليفةً بعد النبي لكان تهنئتهما اعترافاً منهما بشرعية ما يزعم الشيعة أنهما سلباه منه لاحقاً! وهذا تناقض صريح في المنطق الشيعي ذاته.
الوجه السادس: حديث الغدير كان بعد اكتمال الدين بتسعة أيام
ثبت في الصحيحين أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت يوم عرفة، أي قبل حديث الغدير بتسعة أيام. فكيف تكون الإمامة من أصول الدين ولم يُبلِّغها النبي إلا بعد إكمال الدين وإتمام النعمة بتسعة أيام؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “هذا مما يُبيِّن أن الذي جرى يوم الغدير لم يكن مما أُمر بتبليغه كالذي بلَّغه في حجة الوداع”.
الوجه السابع: لو كان الحديث نصاً على الخلافة لبايع الصحابة علياً فوراً
حضر حديث الغدير ما يزيد على مائة ألف من الصحابة بحسب روايات الشيعة أنفسهم. فلو كان فيه نصٌّ صريح على خلافة علي لكانت البيعة له واجبةً فورية، ولَمَا كان لأحد أن يتخلف عنها. فكيف انصرف هذا الجمع العظيم دون أن يُبايع علياً ودون أن يُنكر أحدٌ منهم تقديم أبي بكر لاحقاً؟ بل صرَّح بعض الصحابة أنفسهم بأنهم لو سمعوا نصاً صريحاً على إمامة علي لما تخلَّفوا عن بيعته.
ثالثاً: شبهة “حديث الثقلين” ودعوى النص فيه
يستدل الشيعة أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: “إني تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”. ويزعمون أن “العترة” هنا تعني الأئمة الاثني عشر وأنهم حجة الله على الناس.
الرد:
الوجه الأول: الحديث يأمر بالتمسك بأهل البيت والمحبة لهم، وليس فيه تعيين اثني عشر إماماً بأسمائهم ولا ترتيبهم ولا عصمتهم. فمن أين جاء الشيعة بالتحديد بالاثني عشر إماماً بهذه التسمية المعينة؟
الوجه الثاني: “أهل البيت” في اللغة والشرع يشمل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بنص القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: 33]، وقد نزلت في نساء النبي في سياقها. فلماذا يُخرج الشيعة زوجات النبي من أهل البيت ثم يستدلون بالحديث؟
الوجه الثالث: الحديث يقرن أهل البيت بكتاب الله، وهذا الاقتران يدل على أنهم مرجعٌ في العلم والتفسير والسنة لا على أنهم حكّامٌ معصومون تجب طاعتهم تجب طاعة الله.
رابعاً: اللوازم الباطلة لدعوى النص على الإمامة
دعوى النص الصريح على إمامة علي تستلزم لوازم فاسدة لا مفر منها:
اللازم الأول: اتهام مئة ألف صحابي بالخيانة والكذب
إذا كان النبي قد نصَّ صراحةً على إمامة علي أمام مئة ألف صحابي ثم تجاهلوا هذا النص وبايعوا أبا بكر، فهذا يعني اتهام مئة ألف صحابي بالتواطؤ على الخيانة والكذب. وهو أمر يستحيل عقلاً وعادةً، إذ لا يجتمع هذا العدد الهائل على كتمان نص صريح.
اللازم الثاني: الطعن في علي نفسه
علي رضي الله عنه بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وقاتل مع أبي بكر في حروب الردة، وكان مستشاراً للخلفاء الثلاثة. فلو كان النص على إمامته صريحاً لكان سكوته عن المطالبة به وبيعته لغيره تفريطاً في حق إلهي، وهذا طعنٌ في علي وأمانته.
اللازم الثالث: الطعن في فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم
فاطمة رضي الله عنها ماتت بعد أبيها بستة أشهر، ولم يُنقل عنها أنها طالبت بإعلان خلافة علي بحديث الغدير. والحسن رضي الله عنه تنازل عن الخلافة لمعاوية مختاراً. فكيف يتنازل عن الخلافة من يعتقد أنها حق إلهي منصوص عليه؟
اللازم الرابع: الإمامة الغيبية أصلٌ في الدين لم يُبلِّغه النبي
يزعم الشيعة أن الإمامة أصلٌ من أصول الدين بل هي أعظمها. فلماذا لم يُخصص النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأصل العظيم خطبةً مفردة واضحة كما خصَّص للصلاة والزكاة والحج؟ ولماذا جاء “النص” في عبارة محتملة المعنى لا تُحسم إلا بالتأويل؟ لو كانت الإمامة أعظم أصول الدين لكان أجدر الأمور أن يُصرَّح بها تصريحاً لا يقبل تأويلاً.
خاتمة
دعوى النص على إمامة علي رضي الله عنه إما مبنيةٌ على آيات لا تحتمل المعنى المُدَّعى أو على روايات مكذوبة زيد فيها ما ليس فيها، وإما مبنيةٌ على تفسير لفظ “مولى” تفسيراً مخالفاً للغة والسياق وصريح فهم الصحابة أنفسهم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس وأبينهم وأنصحهم للأمة، ولو أراد تعيين علي خليفةً من بعده لقال ذلك صريحاً لا في لفظ محتمل. ومنهج الإسلام في الخلافة هو الشورى التي أجمع عليها الصحابة الكرام الذين قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
غصون بنت الصديقة

