مقدمة: في مركزية المعضلة
تمثل “الإمامة” عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية عمود الفسطاط الذي تقوم عليه بنية معتقدهم بأسرها؛ فهم لا يجرونها مجرى الفروع الفقهية أو المصالح العامة المتروكة لنظر الأمة، بل يرفعونها إلى رتبة “أصل الأصول” وجوهر الدين، ويرون أن الأرض لا تخلو من حجة معصوم، ظاهر مشهور أو خائف مغمور.
بيد أن هذه الدعوى العريضة تصطدم بأعظم مأزق معرفي وتاريخي شهده الفكر المنتسب للإسلام، وهو: “أزمة الغيبة” التي دخلت عامها المائة بعد الألف. وحين نضع وظيفة الإمام المدّعاة في كفتي الميزان: كفة التنظير اللاهوتي، وكفة الواقع العملي والتاريخي، يتهافت هذا المعتقد تهافتاً ذاتياً، وتتحول “الوظيفة المعطلة” إلى الحجة الأقوى لإفحام هذا المعتقد ونقضه من أساسه.
المحور الأول: السقوط العقلي لنظرية “اللطف الإلهي”
يبني متكلمو الشيعة (كالمفيد، والمرتضى، والطوسي) وجوب الإمامة عقلياً على قاعدة تسمى “قاعدة اللطف”. ومضمونها: “أن اللطف واجب على الله تعالى، والإمامة لطف، فتقريب العباد إلى الطاعات وإبعادهم عن المعاصي لا يتحقق إلا بوجود إمام معصوم مقطوع بطاعته”.
مواطن الإفحام والنقض:
- نقض الغرض (العبثية): إذا كان العقل يقضي بأن تعيين الإمام “لطف واجب” لتقريب الناس من الطاعات، فإن غيبة هذا الإمام لأكثر من أحد عشر قرناً بحيث لا يراه أحد، ولا يسمع صوته أحد، ولا يفصل في خصومة، هي نقض صريح لهذا اللطف. إن إماماً غائباً لا يمكن الوصول إليه لا يُقرب عاصياً من طاعة، ولا يزجر طاغية عن معصية، وتكليف الأمة باتباع مجهول العين والمكان هو تكليف بما لا يطاق، يُنزه الله الحكيم عنه.
- قياس الفساد: لو أن ملكاً من ملوك الدنيا عيّن قاضياً للبلد، ثم حجب هذا القاضي في غادته وأغلق دونه الأبواب ألف عام، ومنع الناس من رفع قضاياهم إليه، لعدّ العقلاء فعل الملك عبثاً وسفهاً. فكيف يُنسب هذا المسلك إلى رب العالمين في أعظم قضايا الدين؟
المحور الثاني: تفكيك “الوظائف الثلاث” وإثبات التعطيل الواقعي
يدعي الشيعة لـ “الإمام” ثلاث وظائف كبرى، وكل وظيفة منها كفيلة بإبطال مذهبهم عند المحاكمة الواقعية:
1. وظيفة “حفظ الشريعة وبيان الأحكام”
يزعمون أن القرآن حمال أوجه والسنة داخلها الكذب، فلا بد من معصوم يحفظ وحي الله ويبينه.
- الإفحام: أين هذا البيان والإمام غائب؟ إن الشيعة اليوم -كغيرهم- يرجعون في استنباط أحكامهم إلى روايات مدونة في كتبهم (كالوسائل والبحار)، وهذه الروايات تخضع لعلم الرجال والجرح والتعديل البشري، والفقهاء الشيعة يختلفون في فتاواهم من النقيض إلى النقيض (في الطلاق، والخمس، والجهاد، ورؤية الهلال). فإذا كان المعصوم غائباً، والناس يتعبدون باجتهادات ظنية لفقهاء غير معصومين، فقد بطلت حجة “الحاجة إلى المعصوم لحفظ الدين”، واستوت الشيعة مع غيرهم في الاعتماد على الجهد البشري، فما فائدة الإمام الغائب إذن؟
2. وظيفة “فصل النزاع ورفع الاختلاف”
يزعمون أن وجود الإمام ضرورة لإنهاء الخلافات العقدية والفقهية بين الأمة.
- can التكذيب التاريخي: لم تتفرق فرقة منتسبة للإسلام وتتشظى كما تفرقت الشيعة أنفسهم؛ فبعد وفاة كل إمام كانوا ينقسمون إلى فصائل يكفر بعضها بعضاً (زيدية، إسماعيلية، فطحية، واقفية). وأما الاثنا عشرية أنفسهم فقد اختلفوا طوال عصر الغيبة إلى (أخباريين) يبطلون الاجتهاد، و(أصوليين) يوجبونه، وصاروا مدارس يضلل بعضها بعضاً (شيخية، وسلوكية، وولاية فقيه). ولم يخرج الإمام الغائب بكلمة واحدة، أو رسالة واحدة يفض بها النزاع بين أتباعه. فإذا كان لا يرفع الخلاف عن طائفته، فكيف يكون رافعاً للخلاف عن الأمة؟
3. وظيفة “القيادة السياسية وإقامة العدل”
- الإفحام: إن الغاية المنصوص عليها لخروج المهدي في أدبياتهم هي “أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً”. وطوال القرون الماضية، تملكت دول شيعية (كالعبيدية، والبويهية، والصفوية، والقاجارية، والحديثة)، وتجرع الشيعة وغيرهم ألواناً من المظالم والحروب والاضطهاد، ولم يحرك الإمام الغائب ساكناً، ولم ينصر مظلوماً، ولم يقم حداً. فإمامٌ يعطل الحدود، ويسلم الأمة للظالمين طوال هذه الحقب، هو إمام معطل الوظيفة سياسياً وعسكرياً.
المحور الثالث: “ولاية الفقيه” ونقض المذهب من داخله
تمثل نظرية “ولاية الفقيه” (التي صاغها الخميني وتُطبق اليوم) اعترافاً ضمنياً وصارخاً بنهاية “وظيفة الإمام الغائب” وسقوط الحاجة إليه؛ إذ نقلت هذه النظرية كل صلاحيات الإمام المعصوم (السياسية، والقضائية، والمالية، والعسكرية) إلى رجل سياسي فقيه غير معصوم.
سؤال الإفحام:
إذا كان الفقيه البشري قادراً على إقامة الدولة، وجباية أموال الخمس، وإدارة الجيوش، وإعلان الحرب والسلم، وإصدار الفتاوى، وإدارة شؤون الطائفة لقرن كامل… فلماذا يشترط المذهب الشيعي وجود إمام معصوم غائب؟
إن واقع “ولاية الفقيه” يقول عملياً: “لقد استغنينا بالفقيه عن المعصوم”، ومعه يسقط المبرر الوجودي لعقيدة الإمامة الاثني عشرية.
المحور الرابع: الاحتجاج بالسنن الإلهية والسكوت القرآني
- القرآن ومحكمات الدين: إن المسائل المصيرية التي يترتب عليها الكفر والإيمان (كالتوحيد، والنبوة، واليوم الآخر) ملأ الله بها كتابه، وفصّلها تفصيلاً قاطعاً لا يحتمل التأويل. فكيف يغفل القرآن عن النص على “إمامة اثني عشر إماماً بالاسم” وعن وجوب الإيمان بغيبتهم، وهي القضية التي يزعم الشيعة أن من لم يؤمن بها حبط عمله وهو في النار؟ إن خلو القرآن من آية محكمة واحدة تدل على هذا المعتقد، هو الدليل الأكبر على بشرية الفكرة وولادتها نتيجة أزمات سياسية تاريخية.
- سُنّة الأنبياء: كل الأنبياء والأوصياء في التاريخ كانوا يجاهرون بدعوتهم، ويواجهون أقوامهم، ويقتلون في سبيل الله، ولم يُحفظ في تاريخ الرسالات أن الله حجب نبياً أو وصياً عن البشرية ألف عام خوفاً من القتل! فالخوف من القتل لا يسقط واجب البيان والدعوة، وإلا لكان الأنبياء أولى بالاستخفاء من الأئمة.
- إما أن يقولوا: له وظائف كونية باطنية (كالواسطة في الفيض واللطف الكوني)، وهذا هروب إلى الغيبيات والماورائيات التي لا يمكن إثباتها، وهو إقرار بتعطيل الوظيفة التشريعية والدينية التي من أجلها خُلق الخلق وأُرسل الرسل.
- وإما أن يقِروا بتعطيل وظائفه الظاهرة، فيبطل بذلك المذهب؛ لأن “الإمام المعطل” لا يختلف في ميزان العقل والواقع عن “الإمام المعدوم”. والقول بإمامة بلا أثر، كالقول بنبوة بلا وحي، كلاهما تهافت ترفضه العقول السليمة والفطر المستقيمة.


