عرض وافٍ لحديث «الفئة الباغية» من زاويتين: من ضعّفه من الأئمة كالبخاري وأحمد وابن معين وغيرهم، ومن صحّحه كمسلم ومن سار على دربه، دون تحيّز لأحد الجانبين. أما الحاكم فلا وزن لتصحيحه في هذا الباب، لأنه ممن يُجيز تصحيح الموضوعات في الشيعة كما سيأتي بيانه في موضع آخر.
أولاً: البخاري يُعلّ الزيادة ويحذفها عمداً
ما أثبته البخاري في صحيحه من هذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم: «وَيْح عمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.» «صحيح البخاري» (1/ 491). وهذا هو النص الذي استقرت عليه نسخ البخاري المحفوظة المعتمدة.
ولم يكن حذف الزيادة من البخاري سهواً أو إغفالاً، بل كان قراراً علمياً مدروساً نبّه إليه جمع من الحفاظ. فقد أوضح الحميدي ومن قبله هذا الأمر، ثم جاء البيهقي فنصّ في «دلائل النبوة» (2/ 546) على أن البخاري رواه «إلا أنه لم يذكر قوله: تقتله الفئة الباغية»، وعلّل ذلك في الموضع نفسه (2/ 548) بقوله: «وكأنه إنما تركها لمخالفة أبي نضرة عن أبي سعيد عكرمةَ في ذلك.»
وبيّن البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (8/ 13) أن الحديث موجود في الصحيح «وبغير هذا اللفظ». وكشف ابن الأثير في «جامع الأصول» (9/ 45) أن بعض النسّاخ حاولوا إقحام الزيادة في متن البخاري، فكتبوها في الهامش ثم أدرجوها في الأصل، بينما النسخ الأخرى خالية منها تماماً، كما قرّر الحميدي ومن سبقه.
وختم الحافظ ابن حجر هذه المسألة في «فتح الباري» (1/ 543 ط السلفية) بقوله: «فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وهذا دال على دقة فهمه وتبحّره في الاطلاع على علل الأحاديث.»
حاصل هذا: البخاري أعلّ الزيادة عن علم وبصيرة، وسبقه إلى ذلك أحمد وابن معين وأبو خيثمة والحافظ المعيطي.
ثانياً: أحمد بن حنبل يضعّف جميع الطرق الثماني والعشرين
لمّا سُئل الإمام أحمد عن هذا الحديث تعدّدت ردوده بين التوقف والتردد والتضعيف الصريح، وهذا التردد نفسه دليل على حجم الضغط الهائل الذي كان يتعرض له في تلك الحقبة العباسية المتشيّعة. جاء في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (9/ 4890):
«قلت: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية؟ قال: لا أتكلم فيه، تركه أسلم.»
وفي «الجامع لعلوم الإمام أحمد — العقيدة» (4/ 558) نقل الخلال بإسناده: «سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو خيثمة والمعيطي ذكروا: يقتل عمارا الفئة الباغية، فقالوا: ما فيه حديث صحيح.»
وفي «السنة لأبي بكر بن الخلال» (2/ 463) بيّن أحمد موقفه الصريح: «روي في تقتل عمارا الفئة الباغية ثمانية وعشرون حديثاً، ليس فيها حديث صحيح.» وفي «الجامع لعلوم الإمام أحمد — علل الحديث» (15/ 296) تتكرر هذه الشهادة بألفاظ متقاربة: «قد روي هذا الحديث من ثمانية وعشرين طريقاً ليس فيها طريق صحيح، وقال مرة: ما فيه حديث صحيح، وقال مرة: فيه غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مرة: لا أتكلم فيه، تركه أسلم.»
ثالثاً: ابن سيرين يطعن في رواية الحسن
كان محمد بن سيرين — فقيه الأمة ومحدّثها وحافظها — لا يكف عن الإنكار على الحسن البصري حين يورد هذا الحديث، وكان يقول: «سلوا الحسن ممن سمع عمار تقتله الفئة الباغية.» انظر «شرح علل الترمذي» (1/ 536). وفي هذا القول طعن صريح في إسناد الحسن للرواية التي أخرجها مسلم متابعةً.
رابعاً: مسلم يُخرجه والحفاظ يعلّونه
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري اللفظةَ التي حذفها البخاري عمداً كما نبّه على ذلك الحافظ. فما أثبته مسلم هو بعينه ما أعلّه البخاري وضعّفه أحمد وابن معين وابن أبي خيثمة والمعيطي وغيرهم على النحو الذي مرّ بيانه.
خامساً: اضطراب الروايات بين الخندق والمسجد
في رواية مسلم جاء ذكر حفر الخندق، في حين أن الرواية المحفوظة عند البخاري ترتبط ببناء المسجد. وهذا الاضطراب وحده كافٍ ليدل على دقة نظر البخاري في إعراضه عن هذه الرواية. قال مسلم: «حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية.» «صحيح مسلم» (8/ 185).
سادساً: ابن رجب يُعلّ رواية الخندق في حديث أم سلمة
وردت لفظة الخندق كذلك في حديث أم سلمة، وقد أعلّها ابن رجب في «فتح الباري» (3/ 309) بقوله: «وذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر، والصواب: بناء المسجد، يدل على ذلك وجهان: أحدهما أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن وإنما كان ينقل التراب وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد. والثاني أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ آخر أنها قالت: ما نسيت الغبار على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة، إذ جاء عمار فقال: ويحك — أو ويلك — يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية. وأم سلمة أين كانت من حفر الخندق؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية لأن حجرتها كانت عند المسجد.»
سابعاً: جهالة أم أبي سعيد
أم أبي سعيد الراوية في سند مسلم مجهولة الحال، ولهذا جعل مسلم روايتها متابعةً لا أصلاً. وقال الحافظ في التقريب عنها: «مقبولة.» وقد نبّه علي بن المديني على غرابة هذا السند فقال: «أنا لا أحفظ عن خالد عن سعيد ابن أبي الحسن إلا هذا الحديث يعني حديث أم سلمة تقتل عمار الفئة الباغية.» «سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني» (ص85).
خلاصة البحث
ثبوت هذا الحديث ليس أمراً مسلَّماً به كما يوهم المتأخرون حين يجمعون طرقه الساقطة ويسمّون ذلك تواتراً. الخلاف بين المتقدمين من أئمة الحديث صريح موثّق لا يقبل التجاهل. وقد لخّص ابن الملقن في «البدر المنير» (8/ 548) هذا الواقع بقوله: «وجماعة من الحفاظ طعنوا في الحديث، قال الخلال فيما حكاه ابن الجوزي في علله أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا خيثمة وغيرهم ذكروا هذا الحديث فقالوا: ما فيه حديث صحيح، وأن الإمام أحمد قال: قد روي في عمار تقتله الفئة الباغية ثمانية وعشرون حديثاً ليس فيها حديث صحيح.»
وفي مقابل هذا قال ابن دحية في «التنوير»: «هو حديث لا مطعن في صحته، وقد رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استوفى طرقه الطبراني في معجمه الكبير فرواه عن معاوية نفسه وعن عمر وابنه وغيرهما، ولو كان حديثاً غير صحيح لردّه معاوية وأنكره.»


