موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

خرافة ولادة علي في الكعبة

خرافة ولادة علي في الكعبة

تستدعي مسألة ولادة الإمام علي داخل الكعبة وقفةً تأمليةً جادة، لا سيما أن الشيعة أنفسهم يستحقون الاطلاع على حقيقتها كاملة. والحقيقة التي تكشفها المصادر الشيعية الكبرى أن كل رواية أو زيارة تناولت هذا الموضوع لم تصدر عن إمام، بل هي من صنع الكذابين وأصحاب الوضع والافتراء.
إن قصة ولادة الإمام علي داخل الكعبة نموذج صارخ لما يُقال فيه: «رُبَّ مشهورٍ لا أصل له»، فلا يقوم لها أساسٌ متين ولا سند يُعتمد عليه. وللإمام علي من المناقب الثابتة والفضائل الصحيحة الجليلة ما يجعله في غنى تام عن كل فضيلة مفتعلة ومختلقة.
وقد أحصى العلامة المجلسي في كتابه «بحار الأنوار»، ضمن الجزء المخصص للإمام علي في باب «تاريخ ولادته وحليته وشمائله صلوات الله عليه»، ثمانياً وثلاثين روايةً. ومن اللافت أن الروايتين 12 و13 تُصرّحان بأنه وُلد في بيت أبي طالب، فيما تخلو الرواية 18 والروايات من 22 إلى 25 ومن 27 إلى 36 من أي إشارة إلى ولادته داخل الكعبة، رغم أنها تستوعب سائر مناقبه وفضائله.
وسنورد هنا نموذجاً واحداً من روايات «بحار الأنوار»، علماً بأن من يستقرئ سائر روايات المجلسي المنقولة عن (علل الشرائع ومعاني الأخبار للصدوق والغيبة للنعماني) (ج35/ص 8-10، الحديث رقم 11)، لن يجد رواية أوثق من هذه:
الدقاق عن الأسدي عن النخعي عن النوفلي عن محمد بن سنان عن المفضل عن ثابت بن دينار عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب: (( كنتُ جالساً مع العبَّاس بن عبد المطلب وفريق من بني عبد العزَّى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وكانت حاملةً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: ربِّ إني مؤمنةٌ بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدِّقةٌ بكلام جدِّي إبراهيم الخليل، وإنه بَنَى البيتَ العتيقَ، فبحقِّ الذي بَنَى هذا البيت وبحقِّ المولود الذي في بطني لما يسَّرْتَ عَلَيَّ ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمْنا أن ينفتح لنا قُفْلُ الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمرٌ من أمر الله عزَّ وجلَّ، [فَبَقِيَتْ في البيت ثلاثة أيام] ثم خَرَجَتْ بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين عليه السلام ثم قالت: إني فُضِّلْتُ على من تقدَّمني من النساء لأنّ آسية بنت مزاحم عَبَدَت الله عزَّ وجلَّ سرَّاً في موضع لا يحبُّ أن يُعبَدَ الله فيه إلا اضطراراً، وإن مريم بنت عمران هزَّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رُطباً جنيّاً، وإنِّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلتُ من ثمار الجنّة وأرواقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة! سمِّيه عليَّاً فهو عليٌّ، والله العليُّ الأعلى يقول: إني شَقَقْتُ اسمَه من اسمي، وأدبتُه بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذِّن فوق ظهر بيتي، ويُقدِّسُني ويُمجِّدُني، فطوبى لمن أحبَّه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه )).
أولاً: الإشكالات المتعلقة بهذه الرواية تحديداً

  1. تصطدم الأسطورة بالعقل والقرآن اصطداماً صريحاً؛ إذ تفترض أن فاطمة بنت أسد، وهي تلد قبل نزول الوحي على النبي محمد، كانت على دراية بأنبياء وأولياء وردت قصصهم في القرآن الكريم كامرأة فرعون المؤمنة ومريم بنت عمران. وهذا بعينه ما نفاه القرآن الكريم على لسان النبي ذاته، حيث قال: ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)) [هود:49].
  2. كيف علمت أمه بأن جنينها مولودٌ مبارك، حتى توسّلت إلى الله بحقه؟ هل كانت تعلم الغيب؟
  3. لو صحّت هذه الحادثة حقاً لما انفرد بروايتها شخصٌ واحد هو «يزيد بن قعنب» المشرك، بل لتناقلها أهل مكة جميعاً. والثابت أن جميع الروايات القائلة بولادته في الكعبة تعود في نهاية المطاف إلى هذا الراوي المشرك وحده.
  4. إن رواة أحاديث ولادة الإمام علي في الكعبة الواردة في «بحار الأنوار» تجمعهم صفات موثّقة في كتب الرجال تجعل روايتهم ساقطةً من الاعتبار:
    أشخاص كمحمد بن فضيل والمفضّل والأسدي والنخعي وُصفوا في كتب الرجال بالغلو والضعف والكذب ووضع الحديث.
    رواةٌ مجهولو الحال كزكريا بن يحيى وعبد الله بن محمد.
    أفراد مهملون لا ذكر لهم في كتب الرجال كأبي حبيبة وعمرو بن الحسن القاضي وأحمد بن عمر الربيعي وأحمد بن محمد بن أيوب.
    ومنهم «سهل بن أحمد» الذي ضعّفه الشيخ الطوسي، وقال عنه ابن الغضائري: «ضعيفٌ وضّاعٌ للحديث يروي عن المجاهيل».
    ومنهم «محمد بن سنان» الذي قال عنه الشيخ المفيد في رسالة «جوابات أهل الموصل في العدد والرؤيا»: «محمد بن سنان وهو مطعونٌ فيه، لا تختلفُ العصابةُ في تُهْمته وَضَعْفه، وما كان هذا سبيلُهُ لم يُعْمَلْ عَلَيْهِ في الدِّين». وقال عنه النجاشي في رجاله (ص252): «هو رجلٌ ضعيفٌ جداً لا يُعَوَّل عليه، ولا يُلتفت إلى ما تفرّد به».
  5. فوق هذا كله، فإن روايات ولادة الإمام علي في «بحار الأنوار» تعاني من ضعف بيّن وتناقض صريح ولا تصمد أمام النقد.
  6. أسطورة الولادة في الكعبة نقلها المجلسي في «بحار الأنوار» من مصادر عدة، منها: علل الشرائع ومعاني الأخبار للصدوق والغيبة للنعماني، وهؤلاء من الأخباريين الذين يأخذون بالروايات دون تمحيص أو تحقيق.
    ثانياً: إشكالات عامة حول الأسطورة
  7. لماذا لم يرد ذكر هذه المعجزة في القرآن الكريم، في حين أن القرآن أثبت معجزات أنبياء سابقين وأرّخ لأحداث كحادثة الفيل؟
  8. في كتاب «الكافي»، أشار الشيخ الكليني في باب «مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه» إلى أن علياً كان أول مولود من أبوين هاشميين، لكنه لم يُلمّح من قريب أو بعيد إلى شيء عن ولادته داخل الكعبة.
  9. طفلٌ يولد بطريقة خارقة في عصر الجاهلية، حيث كان الناس يعبدون الأصنام من الحجارة والتمر؛ أفلم يكن من المتوقع أن تُحدث هذه الحادثة ضجةً هائلة؟ بل ربما عبده بعضهم أو جعلوه ابناً لإلههم.
  10. لماذا لم يأبه اليهود والنصارى لهذه الحادثة ويرفعوا من شأن الإمام علي؟ فبحسب مصادر التاريخ، كانوا ينتظرون ظهور نبي في الجزيرة العربية.
  11. لماذا لم يقع الناس في التباس حول هوية النبي الحقيقي؟ أهو علي أم محمد؟
  12. ولماذا لم يتمسك العلويون وأحفاد علي بهذه الرواية حجةً في مواجهة خصومهم؟