موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

تفصيل نكارة حديث: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبح عليها كلاب الحوأب



هذا الحديث مما أطبق أهل الحديث على نكارته، وقد رفع راية الطعن فيه أربعة من جبال النقد الحديثي لا يُرَدّ كلامهم: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، ويحيى القطان، وعلي بن المديني الذي نقل كلام القطان مقرّاً له غير متعقّب. وقد جرى العصر الأول كله على هذا الحكم، ونقل العلماء النقادُ هذه الأقوال جيلاً بعد جيل دون أن يرفع أحد منهم صوتاً بالمخالفة.

وظل الأمر على هذا الاستقرار حتى انفرد ابن حبان بإيراده في صحيحه، ثم جاء الحاكم فأودعه المستدرك، ولم يجد كلاهما موافقاً من أعلام المتقدمين في عصر الرواية قبل رأس الثلاثمئة.

ثم أطل القرن الثامن فوثّق الهيثمي رجال إسناده، وصحّحه ابن كثير والذهبي، وتبعهم في القرن التاسع ابن حجر. وعلى هذه التصحيحات الخمسة اعتمد الشيخ الألباني المعاصر حين ذهب إلى تصحيح الحديث.

وقد سبق للشيخ الوادعي أن أعلّ طريق ابن عباس، ومال الشيخ المعلمي إلى إعلال حديث قيس بن أبي حازم عن عائشة، مستنداً إلى كونه من جملة ما نُصّ عليه أنه من المناكير كما سيأتي.

والصواب الذي لا ينبغي التردد فيه أن هذا الحديث منكر، وهذا ما قرّره أولئك الجبال الأربعة الأوائل، ولم يقف في وجه حكمهم أحدٌ من أهل عصرهم.

قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: منكر. «العلل» لابن أبي حاتم (6/ 590 ت الحميد): «قال أبي: لم يرو هذا الحديث غير عصام، وهو حديث منكر. وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث منكر، لا يروى من طريق غيره.»

وجاء في «البداية والنهاية» (9/ 188) قول البزار: «لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد.» وأورده الشيخ مقبل في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» (ص202).

وأما حديث عائشة فقد حكم بنكارته يحيى القطان، ونقل ذلك عنه علي بن المديني ساكتاً عليه مقرّاً له. ففي «تاريخ دمشق» لابن عساكر (49/ 464): «علي بن عبد الله يقول: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير منها حديث كلاب الحوأب.»

وفي «تهذيب الكمال» (24/ 15): «وقال علي بن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير منها حديث كلاب الحوأب.»

وفي «تذكرة الحفاظ» للذهبي (1/ 49): «وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: هو منكر الحديث، ثم ذكر له حديث كلاب الحوأب.» وقد تعقّب الذهبي هذا بقوله إن حديثه محتجٌّ به في دواوين الإسلام، وهذا التعقب لا يقوم على قدميه، لأن الاحتجاج بالراوي في الجملة لا يدفع ما نصّ عليه الأئمة من مناكيره في أحاديث بعينها، وهذان أمران منفصلان لا يُخلط بينهما. وإنما يُنظر في إسقاط الراوي مطلقاً لو أسقطه القطان وابن المديني على سبيل الإطلاق، لا في منكرات محددة.

ومما يلفت النظر ما صنعه محقق «المطالب العالية» حين تجرّأ على الرازيَّين قائلاً: «قلت: تقدم الكلام على رواة هذا الحديث وأنهم كلهم ثقات، وقد صرح بذلك الهيثمي والحافظ ابن حجر والبوصيري رحمهم الله، وعلى ذلك فالسند صحيح. فلا وجه عندي لقول أبي حاتم: أنه منكر، إلَّا إن كان يعني به أنه حديث غريب فرد، ويؤيده قوله عقبه: لا يروى من طريق غيره. وإن أراد التضعيف فلا وجه له.» «المطالب العالية محققاً» (18/ 124).

وهذا الكلام ساقط من أساسه، إذ جعل صاحبه توثيق الهيثمي ومن معه من المتأخرين حجةً تُقدَّم على حكم أبي حاتم والقطان وأبي زرعة وابن المديني. وهذا قلبٌ للأولويات لا يقبله ميزان علم العلل، لأن هؤلاء الأئمة أدركوا أن الراوي ثقة في الجملة، لكنهم مع ذلك نصّوا على النكارة في هذا الحديث بعينه، وهذا هو صميم علم العلل: فقد يصحّ ظاهر الإسناد ويكون فيه مع ذلك علة خفية لا يدركها إلا نقاد الحديث المتقنون.

ولهذا مال الشيخ مقبل إلى أن الحديث منكر من طريق ابن عباس معتمداً على كلام الرازيَّين، وكأنه لم يقف على ما قاله القطان في حديث قيس بن أبي حازم، وهذا مفهوم في ضوء ما صرّح به الشيخ في مقدمة كتابه من شدة تحرّزه.

والإمام المعلمي الناقد البصير وقف عند هذه المسألة وقفة نافعة مبيّناً الاحتمالات في تراجمه المنتخبة من «التهذيب» و«الميزان» ضمن «آثار المعلمي» (14/ 151) نقلاً عن يعقوب بن شيبة: «وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظّمه وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه وقال: له أحاديث مناكير. والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب.»

وذكر المعلمي أن إسماعيل بن أبي خالد نفسه قال: «حدثنا قيس هذه الأسطوانة»، وأن قيساً عاش حتى تجاوز المئة بسنين كثيرة وخرف وذهب عقله. ثم حرّر المعلمي ثلاثة احتمالات في شأن تلك المناكير: إما صحتها، وإما ضعف قيس قبل تغيّره، وإما أنه رواها بعد اختلاطه ورواها عنه إسماعيل بعد تغيّره مكتفياً بما سبق أن أعلن من اختلاطه، وهو المدلّس المعروف. وختم بقوله: «والقلب إلى هذا الثالث أَمْيَل.»

والحاصل أن ثلاثة من أعاظم النقاد — أبو زرعة وأبو حاتم والقطان — نطقوا بنكارة هذا الحديث، وابن المديني رابعهم ناقلاً مقرّاً. فلا ينبغي الاغترار بإيراد ابن حبان له في صحيحه.

أما الحاكم فسمعته الغير مأمونة في الروايات التي تلتقي مع أهواء الشيعة معروفة، وكم أودع المستدرك من موضوعات. وأما قول المتأخرين «رجاله ثقات» كالهيثمي، فهذه شهادة على الإسناد لا على المتن، وقد دلّ على دقة الهيثمي أنه لم يُصدر حكماً بالصحة صراحةً. وقد صحّحه الذهبي وابن كثير وابن حجر، وهم عمدة الشيخ الألباني في هذه المسألة.

غير أن المتأمل يتساءل: كيف يُوزن هؤلاء المتأخرون في كفة واحدة مع أبي حاتم وأبي زرعة والقطان وابن المديني؟ هذا ما لا تقبله موازين علم الجرح والتعديل، فالمتأخرون جميعاً لا يبلغون درجة واحد من أولئك الجبال الأوائل. والمهم أن تصحيح الحديث عند المتقدمين لم يثبت أصلاً، وأول من تجرّأ على إيراده في الصحيح هو ابن حبان يتبعه الحاكم، وكلاهما موصوف بالتساهل على لسان الألباني نفسه فكيف يحتجّ بهما؟

وما ذهب إليه الشيخ الألباني من أن الجرح غير مفسَّر مردود بوجه واضح: فقد جاء الجرح مقترناً بذكر هذا الحديث بعينه اسماً ورسماً، وهذا هو التفسير والتخصيص الذي لا يُطلب بعده مزيد. وهؤلاء النقاد الأربعة لم يجد قولهم من يعارضه.

وتبقى ملاحظة دقيقة جديرة بالتأمل: النسخ المتداولة من المستدرك بمختلف طبعاتها لا تتضمن تصحيحاً صريحاً للحديث، خلافاً لعادة الحاكم المعروفة في إيراد أحكامه، وهذا وحده يفسّر لماذا صمت الذهبي ولم يعلّق. ولعل الحافظ ابن حجر وقف على نسخة أخرى تحمل هذا التصحيح.

وخلاصة المسألة التي يجب الوقوف عندها: الحديث منكر، وهذا الحكم ثابت له من طريقيه كليهما — من حديث ابن عباس ومن حديث عائشة رضي الله عنهما.