مقدمة
الحمد لله حافظ كتابه العزيز، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد؛
فإن من أعظم الافتراءات التي أُلصقت بالإسلام من الداخل تلك الدعوى التي يرددها غلاة الشيعة، وهي القول بأن القرآن الكريم الذي بين يدي المسلمين قد لحقه التحريف والنقص والتبديل. وهذه المسألة لا تحتاج في ردها إلى بحث بعيد، بل يكفي أن نفتح كتبهم أنفسهم ونقرأ ما فيها بعين ناقدة فاحصة، فإن الروايات التي يستندون إليها تنهار أمام ثلاثة محاكم: محكمة القرآن الكريم، ومحكمة العقل، ومحكمة التناقض الداخلي في رواياتهم ذاتها.
أولاً: القرآن الكريم يرد الشبهة من أساسها
قبل الدخول في مصادرهم لا بد من تقرير الحقيقة القرآنية الكبرى التي تجعل القول بالتحريف ردةً عن الإسلام لا مجرد خطأ اجتهادي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
هذه الآية الكريمة متضمنة لخمسة مؤكدات دفعة واحدة: “إنَّ”، و”نحن” ضمير الفصل، وإسناد الفعل إلى الجلالة مباشرة، والجملة الاسمية الدالة على الثبوت، واللام في “لَحافظون”. فمن يدَّعي بعد كل هذا التأكيد أن التحريف قد وقع فقد كذَّب الله سبحانه في وعده الصريح.
وزاد الله تأكيداً بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. فنفى الله عنه الباطل من كل اتجاه نفياً مطلقاً شاملاً.
ثانياً: الروايات التي يستند إليها القائلون بالتحريف من كتبهم المعتمدة
- ما رواه الكليني في الكافي
الكليني هو أعظم محدِّثي الشيعة وأوثقهم عندهم، وكتابه الكافي هو أجل كتبهم الأربعة، ومع ذلك أورد فيه روايات صريحة في التحريف:
الرواية الأولى: روى بالإسناد عن علي بن سويد قال: كتبتُ إلى أبي الحسن موسى وهو في الحبس، فكان في جوابه: “أُؤتمنوا على كتاب الله فحرَّفوه وبدَّلوه”. [الكافي 8: 125].
الرواية الثانية: روى عن سالم بن سلمة قال: قال أبو عبد الله: “إذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حدِّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي”. [الكافي 2: 633]. وهذا تصريح بأن المصحف الموجود بين يدي المسلمين ليس على حدِّه الذي أُنزل.
الرواية الثالثة: روى عن أبي جعفر الباقر: “ما ادَّعى أحدٌ من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذَّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده”. [الكافي 1: 228]. وهذا تكذيب صريح لكل من يقول إن القرآن المتداول هو القرآن الكامل.
الرواية الرابعة: روى عن أبي جعفر أيضاً: “ما يستطيع أحد أن يدَّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء”. [الكافي 1: 228].
الرواية الخامسة: روى أن أبا الحسن الرضا دفع مصحفاً إلى البزنطي وقال له: “لا تنظر فيه”، ففتحه فوجد في سورة البيِّنة أسماء سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. [الكافي 2: 631]. وهذا يعني وجود زيادات في القرآن الأصلي ليست في المصحف المتداول.
الرواية السادسة: روى الصدوق في ثواب الأعمال عن أبي عبد الله: “سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقَّصوها وحرَّفوها”. [ثواب الأعمال: 100].
الرواية السابعة: روى عن أبي عبد الله: “لو قُرئ القرآن كما أُنزل لاَلفيتنا فيه مُسمَّيْن”. [تفسير العياشي 1: 13]. أي أن أسماء الأئمة كانت في القرآن الأصلي فحُذفت. - ادعاء تبديل آيات بعينها في الكافي
بلغ الأمر في الكافي حد ادعاء أن جبريل عليه السلام أتى بآيات مختلفة عما في المصحف المتداول:
روى عن أبي جعفر أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23] نزلت هكذا: “مما نزَّلنا على عبدنا في عليٍّ”. [الكافي 8: 53].
روى عن أبي بصير أن قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] نزلت: “في ولاية عليٍّ والأئمة من بعده”. [الكافي 1: 417].
روى عن أبي جعفر أن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ نزلت: “للكافرين بولاية علي”. [الكافي 1: 490].
روى أن قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزلت: “في ولاية علي”. [الكافي 1: 493].
روى عن جابر عن أبي جعفر: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمداً رسولي وأن عليًا أمير المؤمنين”. [الكافي 1: 479]. - ما صرَّح به علي بن إبراهيم القمي في تفسيره
صرَّح القمي شيخ الكليني في مقدمة تفسيره بأن القرآن طرأ عليه تغيير وتحريف، ثم أورد أمثلة:
زعم أن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] نزلت: “كنتم خير أئمةٍ أُخرجت للناس”.
زعم أن ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] نزلت: “في علي”. [تفسير القمي 1: 36].
وذكر أن الرايات يوم القيامة تقول: “أما الأكبر فحرَّفناه ونبذناه وراء ظهورنا”. [تفسير القمي 1: 109]. - ما رواه العياشي في تفسيره
روى العياشي عن ميسَّر عن أبي جعفر: “لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقُّنا على ذي حجا، ولو قد قام قائمنا فنطق صدَّقه القرآن”. [تفسير العياشي 1: 13]. وهذا نص صريح في إقرار الزيادة والنقصان في القرآن المتداول. - ما صرَّح به المجلسي في تذكرة الأئمة
المجلسي هو أعظم موسوعيي الشيعة وأجمعهم للروايات، وقد صرَّح في تذكرة الأئمة بقوله: “إن عثمان حذف عن هذا القرآن ثلاثة أشياء: مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذم قريش والخلفاء الثلاثة، مثل آية: يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلاً”. [تذكرة الأئمة: 9]. - ما صرَّح به الفيض الكاشاني في تفسير الصافي
قال محسن الكاشاني في مقدمة تفسير الصافي تصريحاً لا يقبل التأويل: “إن القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغيَّر محرَّف، وأنه قد حُذف منه أشياء كثيرة”. [تفسير الصافي، المقدمة]. - ما ألَّفه النوري الطبرسي في فصل الخطاب
خصَّص النوري الطبرسي المتوفى 1320هـ كتاباً كاملاً سمَّاه “فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب”، وزعم أن الروايات الدالة على التحريف تزيد على ألفي رواية، وقال: “إن الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معوَّل أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية”. [فصل الخطاب: 227]. - شهادة الجزائري بإجماع علمائهم
نقل السيد نعمة الله الجزائري أن علماءهم “قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن”. [فصل الخطاب: 30]. - إقرار طيب الموسوي المعاصر
أقرَّ طيب الموسوي في تعليقه على تفسير القمي: “ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدِّثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة كالكليني والبرقي والعياشي والنعماني وفرات بن إبراهيم وأحمد بن طالب الطبرسي والمجلسي والسيد الجزائري والحر العاملي والفتوني والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها”. [تفسير القمي، المقدمة: 23].
ثالثاً: الرد المحكم على هذه الروايات
الوجه الأول: هذه الروايات تكذِّب الله في وعده الصريح
من آمن بأن الله قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ لا يمكنه في الوقت ذاته أن يصدِّق هذه الروايات، إذ هما نقيضان لا يجتمعان. فإما أن يؤمن بالقرآن ويكذِّب الروايات، وإما أن يصدِّق الروايات ويكذِّب الله. والمؤمن لا يتردد لحظة في اختياره.
الوجه الثاني: هذه الروايات تطعن في عصمة أئمتهم أنفسهم
يعتقد الشيعة أن أئمتهم معصومون وأن من أوجب واجباتهم تبليغ الحق للناس. فلو كان القرآن محرَّفاً حقاً وكان الأئمة يعلمون ذلك فكيف سكتوا قروناً ولم يُخرجوا مصحف علي المزعوم؟ فسكوتهم إن كانوا يعلمون خيانةٌ للأمانة تناقض العصمة، وعدم علمهم طعنٌ في العصمة من باب آخر. فالقول بالتحريف يهدم ركيزة الإمامة التي هي أصل مذهبهم.
الوجه الثالث: الدافع الحقيقي لهذه الروايات سياسي لا ديني
الناظر في هذه الروايات يلحظ أن مضمونها واحد لا يتغير: زعم أن جبريل نزل بآيات تنص على ولاية علي وأسماء الأئمة، ثم حُذفت. والهدف واضح جليٌّ: تبرير غياب النص القرآني الصريح الذي يحتاجونه لإثبات الإمامة، فلما لم يجدوه في القرآن ادَّعوا وجوده ثم حذفه. هذا دافعٌ سياسي عقدي لا علاقة له بالرواية الصحيحة.
الوجه الرابع: التناقض الداخلي الصريح في مصادرهم ذاتها
روى الكليني في الكافي نفسه في باب آخر عن أبي عبد الله أنه قال لمن قرأ القرآن بحروف مختلفة: “كُفَّ عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس”. [الكافي 2: 462]. فكيف يأمر الإمام باتباع القراءة المتداولة ثم تزعم رواياتهم الأخرى أن هذه القراءة محرَّفة؟ هذا تناقض صريح في كتابهم الأول.
الوجه الخامس: هذه الروايات تفتح الباب أمام أعداء الإسلام جميعاً
الخطر الحقيقي لهذه الروايات أنها لا تطعن في أهل السنة فحسب، بل تُفسد الإسلام أمام الملحدين والمستشرقين والمبشِّرين الذين وجدوا فيها ذخيرة يستغلونها لقول: إن المسلمين أنفسهم يُقرون بتحريف كتابهم. وقد استغل أعداء الإسلام هذه الروايات بعينها في كتبهم ومنصاتهم لزعزعة إيمان المسلمين.
الوجه السادس: هذه الروايات تطعن في علي بن أبي طالب رضي الله عنه
علي رضي الله عنه كان حاضراً في المدينة حين جُمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان، ولم يُنقل عنه أنه أنكر هذا الجمع أو طعن فيه أو أخرج مصحفاً مغايراً. بل ثبت عنه أنه قال: “لو وُلِّيت ما تولى عثمان لفعلت مثل ما فعل عثمان”. فالطعن في المصحف طعنٌ في علي نفسه الذي أقرَّه وسكت عنه.
الوجه السابع: هذه الروايات تهدم الفقه والعبادة من الأساس
إذا كان القرآن محرَّفاً ناقصاً فكل الأحكام الشرعية المبنية عليه تسقط، وكل صلاة صلاها المسلمون قروناً متعاقبة ببطلانها، وكل فريضة مستنبطة منه موضع شك. وهذا ما يعني هدم الإسلام من الجذور لا الطعن في طرف واحد منه.
رابعاً: لوازم القول بالتحريف يأباها العقل والدين
القول بتحريف القرآن يستلزم لوازم باطلة لا مفر منها:
اللازم الأول: يستلزم الطعن في الله وتكذيبه في وعده الصريح بحفظ الذكر.
اللازم الثاني: يستلزم الطعن في علي بن أبي طالب والحسن والحسين وسائر آل البيت الذين تعبَّدوا بهذا القرآن ولم ينكروه طيلة حياتهم.
اللازم الثالث: يستلزم أن ملايين المسلمين عبر أربعة عشر قرناً كانوا يتعبدون بكتاب محرَّف، وهو ما يهدم الإسلام كله.
اللازم الرابع: يستلزم انهيار الاحتجاج بالقرآن في أي حكم شرعي أو عقدي أو فقهي، لأن المحرَّف لا يُحتج به.
اللازم الخامس: يستلزم أن الله أخلف وعده وعجز عن حفظ كتابه أمام بضعة رجال من الصحابة، وهذا كفر صريح.
خاتمة
القرآن الكريم حجةٌ على كل من طعن فيه. والذي يقرأ هذه الروايات بعين ناقدة يرى أنها مصنوعة لغرض واحد هو تسويغ غياب النص القرآني الصريح على الإمامة، فلما عجزوا عن إيجاده في القرآن ادَّعوا أنه كان موجوداً وأنه حُذف. وهذا افتراءٌ على الله وعلى كتابه وعلى الصحابة الكرام الذين حملوا هذا الدين بأمانة لا يستطيع أحد الطعن فيها.
والواجب على كل مسلم أن يعتصم بحبل الله المتين الذي تكفَّل الله بحفظه، وأن يعلم أن القرآن الذي يتلوه اليوم هو نفسه الذي تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلَّمه لأصحابه الكرام.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


