موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

مَظَاهِرُ اليُسْرِ وَرَفْعِ الحَرَجِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ غصون

بزغ نور الشريعة الإسلامية كشمسِ النهار، متفردةً بخاصيةٍ جعلتها استثناءً في تاريخ الرسالات؛ ألا وهي “خاصية اليسر ورفع الحرج”. إنَّ اليسر في الإسلام ليس رخصةً عابرة أو استثناءً تمليه الظروف الطارئة، بل هو هندسة تشريعية أصلية، قامت عليها أحكام هذا الدين من مبتداها إلى منتهاها. قال الله تعالى واصفاً رسالة نبيه المصطفى في الكتب السابقة: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

أولاً: التأصيل اللغوي والفلسفي لـ “اليسر الشرعي”

1. المفهوم الدلالي:

اليسر في لغة العرب هو السهولة، والانقياد، والاتساع. ورجلٌ ياسرٌ أي سَمْحٌ يسهل القياد معه. أما في الاصطلاح الشرعي، فهو: صياغة الأحكام الإلهية وتطبيقها بما يوافق الفطرة الإنسانية، ويقع تحت طاقة البشر العادية، مع فتح أبواب المخارج والتخفيفات عند حدوث الطوارئ والأعذار.

2. فلسفة التكليف في الإسلام:

لم يخلق الله الإنسان ليعذبه بالعبادة، ولم يشرع الأحكام امتحاناً لمدى تحمل الجسد للألم والمشقة، بل شرعها لتزكية النفوس وتطهير الأرواح. فالمنطلق الفلسفي للتكليف يقوم على قاعدتين:

  • علم الله بضعف الإنسان: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
  • غنى الله عن عذاب خلقه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147].

لذلك، فإن التيسير هو السمة التي ترافق التكليف؛ فالأمر الإلهي ابتداءً جاء ميسراً، وإذا عرض للمكلف عارضٌ من عوارض الأهلية (كالمرض أو السفر)، نزل اليسر بدرجة أخرى وهي “الرخصة”.

ثانياً: الترسانة النصية لليسر (الأدلة من الوحيين)

لقد أحكمت النصوص القرآنية والنبوية طوقاً منيعاً يحمي سماحة هذا الدين من غلو الغالين وانتحال المبطلين، وتواترت الأدلة تواتراً معنوياً قاطعاً:

1. المحكم من آيات الكتاب:

  • نفي الحرج مطلقاً: يقول سبحانه في آية عامة جامعة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. والحرج هو الضيق الشديد الذي يربك حياة الإنسان.
  • إرادة التخفيف الدائم: يقول جل وعلا: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28].
  • حدود الطاقة البشرية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. والوسع هو ما يملكه الإنسان في حال طمأنينته وصحته دون اعتصار لجهده.

2. السُّنة النبوية الهادية:

كان النبي صلى الله عليه وسلم هو التطبيق الحي لهذا اليسر، فكان يكره التشدد، وينفر من النطاعة في الدين.

  • طبيعة الدين الخالصة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ” (رواه البخاري). والمشادة هي المغالبة، ومن غالب الدين بالتشدد صرعه الدين وغلبه.
  • الدستور الدعوي: عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، صاغ لهما دستوراً دعوياً خالداً في كلمات معدودات: “يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، وتَطَاوَعَا ولا تَخْتَلِفَا”.
  • المنهج النبوي في الاختيار: وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مسلكه قائلة: “ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النَّاسِ منه”.

ثالثاً: القواعد الفقهية الكبرى الناشئة عن اليسر

تحول مفهوم اليسر في العقل الفقهي الإسلامي من مجرد نصوص عامة إلى قواعد أصولية صارمة يحتكم إليها الفقيه والمجتهد عند النوازل. ومن أبرز هذه القواعد:

1. قاعدة: (المشقة تجلب التيسير)

وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى التي يدور عليها الفقه الإسلامي كله. ومعناها: أن الأحكام الشرعية إذا أدى تطبيقها في حق المكلف إلى مشقة غير معتادة (مشقة تضر بالبدن أو المال أو النفس)، فإن هذه المشقة تصبح سبباً شرعياً في جلب التسهيل والترخيص.

2. قاعدة: (إذا ضاق الأمر اتسع)

وهي قاعدة رديفة صاغها الإمام الشافعي بعبارته البليغة، وتعني أن المسلم إذا وقع في ضيق وضائقة لا يجد معها سبيلاً لتطبيق الحكم الأصلي، اتسعت له أحكام الشريعة لتخرجه من هذا الضيق.

3. قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)

وهي قمة التيسير؛ فالشريعة لم تقبل أن يموت الإنسان ترفعاً عن محرم عند غياب الحلال. فالجائع حد الملاك يحل له أكل الميتة، والغاص باللقمة يحل له جرعة الخمر لإنقاذ حياته، بشرط عدم البغي أو مجاوزة قدر الحاجة: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].

رابعاً: مظاهر التيسير الشاملة في بنية العبادات

لو تصفحنا أبواب الفقه الإسلامي باباً باباً، لوجدنا التيسير هو الخيط الناظم لها جميعاً:

الباب الفقهيالحكم الأصلي (العزيمة)مظهر اليسر والتخفيف (الرخصة)
الطهارةغسل الأعضاء بالماء المستقرالتيمم بالتراب عند فقد الماء أو المرض، والمسح على الخفين والجبائر.
الصلاةالقيام، وأداؤها في وقتها، كاملة الركعاتالصلاة قعوداً أو على جنب للمريض، قصر الرباعية، وجمع الصلوات في السفر والمطر.
الصيامالإمساك من الفجر إلى غروب الشمسالفطر للمسافر والمرض، وفدية الإطعام للشيخ الكبير والحامل والمرضع.
الزكاةإخراج حق المالسقوطها عمن لم يملك النصاب، أو من لم يحل على ماله عام كامل.
الحجالسير إلى مكة وأداء المناسكاشتراط الاستطاعة، والإنابة في الحج للمريض، وجواز الرمي والتحلل برخص شتى.

خامساً: مقاصد وغايات التيسير في الإسلام

لماذا جعل الله دينه يسيراً؟ إنَّ وراء ذلك حكماً بالغة تبرز عظمة الخالق سبحانه:

1. دوام الطاعة واستمراريتها:

النفس البشرية مجبولة على الملل والكلال إذا حُمِّلت فوق طاقتها. والتشدد يدفع الإنسان إلى الانقطاع التام؛ لذا كان أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. التيسير يضمن أن يظل العبد متصلاً ب ربه طوال حياته دون انقطاع.

2. رعاية الفطرة وسلامة البناء الاجتماعي:

لو كان الدين عسيراً، لتعطلت مصالح العباد، ولما استطاع المسلم أن يزرع، أو يصنع، أو يبتكر، ولانشغل الناس بالعبادة البدنية المنهكة عن عمارة الأرض وبناء الحضارة. فالإسلام يريد مسلماً يعبد الله، وفي الوقت ذاته يبني تشييداً، ويزرع أرضاً، ويدير دولة.

3. فتح باب التوبة والأمل:

اليسر يمنع اليأس والقنوط. فمهما أذنب العبد أو قصر، يجد باب التوبة مفتوحاً، والشرع ييسر له العودة عبر الكفارات، والاستغفار، والصلوات التي تكفر ما بينها.

سادساً: ردع الغلو وبلاغ الختام

إنَّ القوة الحقيقية للإسلام لا تكمن في صرامة التشديد، بل في سلطان الحكمة والسماحة. لقد حارب الإسلام الغلو والتعنت حِفاظاً على جوهر الدين. ومن روائع السيرة النبوية قصة الرهط الثلاثة الذين أراد أحدهم أن يصلي الليل ولا ينام، والآخر أن يصوم ولا يفطر، والثالث أن يعتزل النساء؛ فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم غضب وصعد المنبر وقال: “أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي” (متفق عليه).

خاتمة المقال:

إنَّ يسر الإسلام هو رسالة سلام وطمأنينة للبشرية جمعاء. إنه المنهج الذي يقود الإنسان برفق، ويأخذ بيده في مرضه وصحته، في إقامته وسفره، في عسره ويسره. فما أجمل أن نتمثل هذا اليسر في واقعنا، فلا نغلو فنهلك، ولا نفرط فنضيع، بل نلزم المحجة البيضاء، سائرين على هدي النبي الأكرم الذي بُعث بالحنيفية السَمْحة، ليبقى الإسلام ديناً للرحمة، ونوراً للهداية، ويسراً لخير البشرية جمعاء.