انتشرت في الأوساط الشيعية مقولةٌ شائعة تُقدِّم الإمام عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه على أنه «القرآن الناطق»، في مقابل القرآن الكريم الذي يصفونه بـ«الصامت». وقد غدت هذه المقولة ركيزةً عقدية يُستند إليها لتقديم قول الإمام على النصّ القرآني، أو إضفاء العصمة المطلقة عليه. وفي هذا المقال نتناول هذه المقولة بالدراسة والنقد من مصادر الطرفين، كاشفين عن إشكالاتها العقدية والمنهجية.
أولاً: أصل المقولة ومصدرها
أول ما ينبغي البحث فيه هو: من أين جاءت هذه المقولة؟ هل وردت في القرآن الكريم؟ هل رُويت في أحاديث صحيحة ثابتة؟ أم هي من المقولات الاجتهادية التي شاعت لاحقاً وتحوّلت إلى عقيدة؟
الجواب القاطع: لم ترد هذه العبارة في القرآن الكريم بتاتاً، ولم تثبت في حديث نبوي صحيح معتمد. وإنما هي من المرويات المتأخرة التي شاع نسبتها إلى أئمة أهل البيت دون إسناد صحيح يُعتمد عليه. وأقدم ما يُنسب إليه من المصادر الشيعية هو ما رُوي في كتب متأخرة كـ«بحار الأنوار» للمجلسي، وهو كتاب يحوي روايات شتى من مصادر متفاوتة القيمة، وكثير منها ضعيف أو موضوع.
والجدير بالذكر أن الشيخ المفيد وغيره من علماء الشيعة المتقدمين لم يُؤسسوا عقيدتهم على هذه المقولة بالصياغة المتداولة اليوم. وهذا مؤشرٌ واضح على أنها مقولةٌ نشأت وترسّخت في مراحل لاحقة من التاريخ الشيعي.
ثانياً: القرآن الكريم يرفض هذه المقولة صراحةً
يُقرّر القرآن الكريم في آيات متعددة أن الله وحده هو الحكم، وأن كلامه هو المرجع الأعلى الذي لا يُعلوه شيء. ولا مجال لنصٍّ بشري — مهما بلغت منزلة صاحبه — أن يُعادل كلام الله أو يُنافسه. يقول سبحانه:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]
فإذا كان القرآن «تبياناً لكل شيء»، فأيُّ حاجة تبقى إلى «قرآن ناطق» يستدرك عليه؟ ثم يقول تعالى:
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
حين يُعلن الله كمال الدين وتمامه، فإن القول بوجود «قرآن ناطق» ضروري لفهم الدين يتناقض مع هذا الإعلان الإلهي الصريح. ذلك أن اللازم المنطقي لهذه المقولة أن القرآن «الصامت» ناقصٌ أو غامضٌ لا يُفهم وحده، وهو ادعاءٌ يُكذّبه القرآن نفسه.
ويذهب القرآن الكريم أبعد من ذلك حين يتحدى الناس جميعاً بأن يأتوا بمثله:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]
فهل يُعقل بعد هذا كله أن يكون هناك «قرآن ناطق» بشري يُعادله في الحجية؟
ثالثاً: الإشكالات العقدية الجوهرية
تنطوي هذه المقولة على إشكاليات عقدية خطيرة لا يمكن تجاوزها:
تسوية المخلوق بكلام الخالق: القرآن الكريم هو كلام الله المنزَّل، وتسميةُ بشرٍ — مهما علت مرتبته — بـ«القرآن الناطق» تنطوي على تسوية ضمنية بين الكلام الإلهي المعصوم وكلام الإنسان، وهذا من أخطر أبواب الغلو.
العصمة المطلقة الممتدة إلى ما بعد النبوة: تستلزم هذه المقولة أن عليَّاً معصومٌ عصمةً مطلقة توازي عصمة الوحي، وهو ادعاءٌ لم يُثبته دليلٌ صحيح لا من القرآن ولا من السنة المتواترة.
فتح باب تقديم الرأي على النص: حين يُقال إن عليَّاً «القرآن الناطق»، يُصبح بالإمكان تقديم ما يُنسب إليه من أقوال على صريح الآيات القرآنية بحجة أنه «يشرح الصامت». وهذا الباب متى فُتح لا يمكن إغلاقه.
التناقض مع منهج أهل البيت أنفسهم: ثبت عن الإمام علي رضي الله عنه في نهج البلاغة وغيره أنه كان يحتجّ بالقرآن ويردّ إليه، ولم يدَّعِ قط أنه في منزلة القرآن أو مُعادلٌ له.
رابعاً: نقد المقولة من داخل المصادر الشيعية
ما يزيد الأمر وضوحاً أن كتب الشيعة المعتمدة نفسها تتضمن نصوصاً تتعارض مع هذه المقولة في مضمونها. ففي كتاب «الكافي» للكليني، وهو المصدر الحديثي الأول عند الشيعة الإمامية، روايات كثيرة تُقرّر أن مرجعية القرآن فوق كل مرجعية، وأن الأئمة أنفسهم كانوا يردّون ما خالف القرآن:
«ما لم يوافق من الحديث القرآنَ فهو زُخرُف» — الكافي للكليني، كتاب فضل العلم
وفي رواية أخرى منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق في «الكافي» نفسه:
«كلُّ شيء مردودٌ إلى الكتاب والسنة، وكلُّ حديث لا يوافق كتابَ الله فهو زُخرف» — الكافي، ج١
فإذا كان الأئمة أنفسهم — بحسب مصادرهم — يردّون ما خالف القرآن، فكيف يصحّ جعلهم «قرآناً ناطقاً» يتقدم عليه؟ إن في هذا تناقضاً صريحاً داخل المنظومة الشيعية ذاتها.
أما الشيخ المفيد (ت 413هـ)، فقد اشترط في قبول الروايات أن تُعرض على القرآن الكريم وألا تخالف العقل الصريح، وهو منهجٌ يُقوّض المبالغة في تقديس الروايات المنسوبة إلى الأئمة على حساب النص القرآني.
خامساً: علي رضي الله عنه نفسه لم يدَّعِ ذلك
لعل أبلغ ردٍّ على هذه المقولة أن نسمع صوت عليٍّ نفسه كما يتجلى في «نهج البلاغة»، فنجده يُجلّ القرآن إجلالاً لا يدع مجالاً لمن يُسوّيه به:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ، وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ» — نهج البلاغة، خطبة 176
«فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ» — نهج البلاغة، خطبة 158
هذا هو عليُّ بن أبي طالب يُخبرنا أن القرآن هو «الهادي الذي لا يضل» وأن فيه «علم ما يأتي» ودواء الداء. فأين في هذا الكلام ما يُشير إلى أنه يُعادل القرآن أو يُنافسه؟ بل هو يضع نفسه موضع التلميذ أمام القرآن العظيم.
سادساً: الخطورة العملية لهذه المقولة
تعطيل الاجتهاد الحر: حين يُوجد «قرآن ناطق» بشري لا يُناقَش، تتحوّل المرجعية الدينية من النص إلى الشخص، ومن البرهان إلى التسليم الأعمى بما يُنسب إلى الأئمة.
تكثير الروايات الموضوعة: حين تُرسَّخ فكرة أن قول الإمام في مرتبة القرآن، يجد الوضّاعون والكذابون حافزاً قوياً لاختلاق أحاديث ونسبتها إلى الأئمة، إذ إن أثرها في نفوس المتلقين سيكون هائلاً.
نشأة نخبة دينية لا تُساءَل: تُعطي هذه المقولة شرعيةً دينية مطلقة لمن يُعدّون ورثة «القرآن الناطق» من العلماء والمراجع، مما يُفضي إلى تمركز السلطة الروحية في أيدٍ لا تقبل المحاسبة.
سابعاً: الموقف الصحيح من مكانة الإمام علي
ليس الهدف من هذا النقد التقليل من مكانة الإمام علي رضي الله عنه، فهو من أجلّ الصحابة وأعلاهم منزلةً، وزوج فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو الحسن والحسين، وخليفة المسلمين الرابع. لكن إنصافه الحق يكون بإثبات فضائله الثابتة، لا باختلاق ما يُسوّيه بكتاب الله.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171]
والغلو في عليٍّ باب من أبواب هذا المنهي عنه، بل إن الإمام علي نفسه تبرّأ من الغلاة الذين رفعوه فوق منزلته وقاتل بعضهم.
مقولة «علي القرآن الناطق والقرآن الصامت» مقولةٌ لا أصل لها في القرآن الكريم ولا في حديث نبوي صحيح، وهي تتعارض مع صريح آيات قرآنية تُقرّر كمال الدين وكفاية القرآن هدىً وبياناً. كما تتعارض مع ما ورد في مصادر الشيعة أنفسهم من وجوب عرض الأحاديث على القرآن وردّ ما خالفه. ومن طريف الأمر أن عليَّاً نفسه في «نهج البلاغة» يُجلّ القرآن ويجعله المرجع الأعلى ولا يدّعي له مكانةً تُوازيه.


