موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

اكذوبة رواية كلاب الحوأب

تفضل النص كاملاً للنسخ المباشر:


قصة كلاب الحوأب بين الرواية والنقد

أصل القصة في تاريخ الطبري

تعود هذه الرواية في أقدم صورها إلى ما أورده الطبري، الذي ساقها بسنده عن إسماعيل بن موسى الفزاري، عن علي بن عابس الأزرق، عن أبي الخطاب الهجري، عن صفوان بن قبيصة الأحمسي، الذي نقلها عن رجل من عُرينة كان صاحب جمل. ويروي هذا الأخير قصة لقائه براكب عرض عليه شراء جمله بثمن مرتفع، فلما سأله عن سبب رغبته فيه أخبره أنه يريده “لأم المؤمنين عائشة”، فتنازل عنه العُريني دون ثمن، فأصروا على إعطائه ناقة مهرية وزيادة من الدراهم، ثم طلبوا منه أن يدلهم على الطريق. ويتابع الراوي أنهم ما مروا بواد أو ماء إلا استفسروا منه عنه، حتى وصلوا ماءً نبحت عندهم كلابه، فلما عرفوا أنه ماء الحوأب صرخت عائشة وأناخت بعيرها وقالت: “أنا والله صاحبة كلاب الحوأب”، مرددة ذلك وطالبة الرجوع.

نقض القصة عند القاضي أبي بكر بن العربي

في كتابه “العواصم من القواصم”، يرفض القاضي أبو بكر بن العربي اعتبار هذا الخبر مستندًا إلى أصل صحيح، مؤكدًا أن الكلام المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة لا أساس له في دواوين السنة المعتمدة. ويفصّل في تتبع سند الطبري راويًا راويًا:

  • إسماعيل بن موسى الفزاري: وصفه ابن عدي بأن فيه غلوًا في التشيع أنكره الناس عليه.
  • علي بن عابس الأزرق: ضعّفه النسائي.
  • أبو الخطاب الهجري: قال عنه الحافظ ابن حجر في “تقريب التهذيب” إنه مجهول.
  • صفوان بن قبيصة الأحمسي: وصفه الذهبي في “ميزان الاعتدال” بالمجهول أيضًا.

ويخلص ابن العربي إلى أن الرواية بأكملها مبنية على أعرابي مجهول الهوية لم يُعرف عنه شيء، لا كذب ولا صدق، لأنه في الأصل شخصية لم تثبت لها حقيقة. ويضيف دليلاً واقعيًا: أن جمل عائشة كان اسمه “عسكر”، وقد أحضره يعلى بن أمية من اليمن وركبته من مكة إلى العراق، فلم تكن بحاجة لشراء جمل في الطريق من أعرابي مجهول كما تزعم الرواية. ويرى ابن العربي أن هذه القصة صيغت لتصوير طلحة والزبير، وهما من المبشرين بالجنة، وكأنهما شهدا زورًا. ثم يورد، على سبيل المقارنة لا الاحتجاج، رواية أخرى ضعيفة ذكرها ياقوت الحموي في “معجم البلدان” عن سيف بن عمر التميمي، مفادها أن المقصودة بكلاب الحوأب هي امرأة تدعى سلمى بنت مالك الفزارية، قادت المرتدين، فسباها المسلمون ووهبوها لعائشة فأعتقتها. ويختم ابن العربي بأن كلا الخبرين ضعيف، وأن خبر عائشة أضعفهما.

ورود الخبر في كتب الحديث المعتبرة

بخلاف رواية الطبري، يظهر الخبر بصيغة أخرى في عدد من كتب الحديث: فتح الباري لابن حجر، ومسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، ومسند أبي يعلى.

في فتح الباري (الجزء 13): يُروى عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما نزلت عند بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب، فسألت عن اسم الماء فقيل لها “الحوأب”، فظنت أن عليها الرجوع، فحاول من معها إقناعها بالمضي قدمًا حتى يراها المسلمون فيُصلح الله بها ذات بينهم، فأجابتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم سبق أن قال لهن: “كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب”. وقد أخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار، وصححه ابن حبان والحاكم، وذكر ابن حجر أن سنده على شرط الصحيح. وفي رواية أحمد أن الذي خاطبها كان الزبير.

في مسند أبي يعلى (رقم 4868): يرويه محمد بن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، أن عائشة مرت بماء لبني عامر يقال له الحوأب فنبحت عليها الكلاب، فسألت عنه فقيل لها إنه ماء لبني عامر، فطلبت الرجوع وذكرت أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “كيف بإحداكن إذا نبحت عليها كلاب الحوأب”.

في مسند الإمام أحمد (رقم 24698): عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب عند الحوأب أرادت الرجوع لنفس السبب، فقال لها الزبير إنها إن تابعت سيرها فلعل الله يصلح بها بين الناس.

في مستدرك الحاكم (رقم 4613): بنفس السند تقريبًا عن قيس بن أبي حازم، تتكرر القصة نفسها مع تأكيد عائشة أنها سمعت الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.

الإشكالية الأولى: غياب الحديث عن الصحيحين

من أبرز ما يثير الريبة في هذا الحديث أن البخاري ومسلم لم يخرجاه في صحيحيهما، رغم تشدد الإمامين المعروف في انتقاء الأحاديث.

الإشكالية الثانية: انفراد راوٍ واحد بالحديث

رغم تعدد مصادر الحديث في فتح الباري ومسند أحمد ومستدرك الحاكم ومسند أبي يعلى، بما قد يوحي بكثرة من رواه، فإن التحقيق يكشف أن كل هذه الطرق تلتقي عند راوٍ واحد فقط هو التابعي قيس بن أبي حازم.

من هو قيس بن أبي حازم؟

في كتاب “الكاشف” للذهبي (الترجمة رقم 4596)، يوصف قيس بن أبي حازم البجلي بأنه تابعي كبير فاتته صحبة النبي بليال قليلة، وأنه سمع من أبي بكر وعمر، وروى عنه بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد وجمع كبير من المحدثين الذين وثقوه. غير أن الذهبي ينقل عن ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، وصفه بأنه “منكر الحديث”، مستشهدًا بحديث كلاب الحوأب تحديدًا كمثال على ذلك. توفي قيس سنة 98 هـ.

وفي “تهذيب التهذيب” لابن حجر العسقلاني، يُذكر أن العلماء اختلفوا فيه اختلافًا واسعًا: ففريق رفع منزلته واعتبر حديثه من أصح الأسانيد، وفريق آخر حمل عليه ووصف بعض أحاديثه بالمناكير، فيما برر مؤيدوه تلك الأحاديث بأنها “غرائب” لا مناكير. كما أُخذ عليه ميله المذهبي، إذ عُرف بتقديمه لعثمان، الأمر الذي جعل كثيرًا من قدماء الكوفيين يتجنبون الرواية عنه. ونقل ابن حجر أيضًا عن يحيى بن أبي غنية، عن إسماعيل بن أبي خالد، أن قيسًا كَبِر حتى تجاوز المائة بسنوات كثيرة، فخَرِف وذهب عقله. كما كرر ابن المديني عن يحيى بن سعيد وصفه بـ”منكر الحديث”، مستشهدًا – من ضمن ما استشهد به – بحديث الحوأب نفسه.

ومن يرفض رواية قيس في هذا الحديث له وجاهته، إذ إن أصل الرواية أساسًا واهٍ: فحتى مع الاعتماد على سند مستقل عن الطبري، يبقى مصدر تحديد أن هذا الماء هو “ماء الحوأب” نفسه مجهولًا، وما بُني على أساس باطل فهو باطل.

حديثان آخران من رواية قيس أثارا تحفظًا

الحديث الأول: في مستدرك الحاكم (رقم 5591)، يروي قيس بن أبي حازم أنه رأى مروان بن الحكم يرمي طلحة بن عبيد الله فيصيب ركبته، فظل طلحة ينزف حتى مات. وقد علّق القاضي ابن العربي في “العواصم من القواصم” على هذا الخبر بأنه “لم ينقله ثبت”.

الحديث الثاني: في مستدرك الحاكم أيضًا (رقم 6717)، يُروى عن قيس أن عائشة، التي كانت تتمنى أن تُدفن في بيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، قالت إنها أحدثت بعده حدثًا، فطلبت أن تُدفن مع سائر أزواجه، فدُفنت بالبقيع. ووُصف هذا الحديث بأنه صحيح على شرط الشيخين رغم أنهما لم يخرجاه.

موقف الألباني من خروج عائشة

يرى الألباني أن خروج عائشة كان خطأ، لكنه لا يرقى إلى معصية، فالحديث – بحسب رأيه – كان يشير فقط إلى أنها ستكون في موضع تقع فيه فتنة ويموت فيه أناس كثيرون، وأن طلحة والزبير ذكّراها حين عزمت على العودة بأهمية موقفها لتحقيق الصلح الذي كان الناس يأملونه ببركتها ومكانتها. ومع ذلك يعتبرها مخطئة. ويستدل بأن الأنبياء أنفسهم وقعوا في زلات عاتبهم الله عليها، كموسى عليه السلام الذي قتل نفسًا ونسي عهده مع الخضر، وذي النون الذي ذهب مغاضبًا، فتوقع الخطأ ممن دون منزلة النبوة أولى. ويؤكد أن هذا لا ينقص من فضائل عائشة شيئًا، بل هو في ذاته اختبار لمن يفتقر إلى الإنصاف والعقل والدين. ويستشهد بقول عمار بن ياسر الذي رواه البخاري: “والله إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أإياه تطيعون أم هي”.

خلاصة الإشكال

لا شك في أن الحديث موجود في عدد من كتب السنة المعتبرة، لكنه – مهما تعددت مصادر إيراده – يبقى في جذوره خبرًا واحدًا لا يُعرف إلا من طريق قيس بن أبي حازم وحده. والعلة الحقيقية، كما سبقت الإشارة إليها، تكمن في أصل تحديد هوية الماء بأنه “الحوأب”، فحتى قيس نفسه لم يسمِّ من أخبر بذلك. فعند الرجوع إلى ألفاظ الروايات المختلفة:

  • في مستدرك الحاكم: “فقالت أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب”.
  • في فتح الباري: “فقال أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب”.
  • في مسند أبي يعلى: “فقالت: ما هذا؟ قالوا: ماء لبني عامر، فقالت…”.

فمن هم هؤلاء الذين أجابوا بأنه “الحوأب”؟ هويتهم مجهولة تمامًا، وهذا هو موطن الضعف الجوهري في الرواية. فمن غير المقبول منهجيًا أن تُبنى رواية بهذه الخطورة على أقوال أناس مجهولين لم تُذكر أسماؤهم، وهو ما يخالف الأصول العلمية المتبعة في نقد الحديث وقبوله، ويفسر امتناع البخاري ومسلم عن إخراجها في صحيحيهما.

وتجدر الإشارة أخيرًا إلى ما ذكره ياقوت الحموي في “معجم البلدان” (مادة الحوأب) نقلًا عن سيف بن عمر التميمي، من أن المقصودة بـ”كلاب الحوأب” قد تكون امرأة تدعى سلمى بنت مالك الفزارية، التي قادت المرتدين فيما بين ظفر والحوأب، فسباها المسلمون ووهبوها لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه العبارة.