في أرضٍ تُعرف بـ”مدين”، حيث التجارة تعجّ في الأسواق، والأموال تتدفق بين الأيدي… كان الناس يزنون ويبيعون، لكن شيئًا واحدًا كان مفقودًا: العدل.
كانوا قومًا يُنقصون المكيال والميزان، يغشّون في البيع، ويأكلون أموال الناس بالباطل. لم يكن الفساد عندهم خفيًا… بل صار أسلوب حياة.
وسط هذا الظلام، بعث الله رجلًا منهم… يعرفونه جيدًا… إنه نبي الله شعيب عليه السلام.
وقف بينهم، لا بسيفٍ ولا بقوة… بل بكلمة الحق:
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: 84]
لم تكن دعوته مجرد نصيحة… بل إصلاح شامل:
توحيد لله… وعدل في التعامل… وأمانة في التجارة.
قال لهم محذرًا:
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: 85]
لكن الرد لم يكن كما يتمنى نبي…
ضحكوا منه. استهزؤوا به. بل وصل بهم الأمر أن يسخروا من صلاته!
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: 87]
لم يكن رفضهم فقط للعبادة… بل رفضوا العدل نفسه!
قالوا له بكل وقاحة: نحن أحرار في أموالنا!
﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾
لكن شعيب عليه السلام لم يتراجع… لم يساوم… لم يخف.
قال بثبات المؤمن:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]
سنوات تمر… والدعوة مستمرة… لكن القلوب أقسى من الحجر.
ثم تصاعد التهديد…
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ [الأعراف: 88]
إما أن تعود لدينهم… أو تُنفى من الأرض!
لكن الجواب كان حاسمًا:
﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾
هنا… انتهى الصبر البشري… وبدأ وعد السماء.
قال لهم شعيب:
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [هود: 93]
ثم جاء اليوم الذي لم يتوقعوه…
هدوء… سكون… ثم فجأة…
رجفةٌ عظيمة تهزّ الأرض من تحتهم!
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 91]
وفي موضع آخر:
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 94]
وفي وصفٍ مهيب:
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: 189]
ثلاثة أوصاف… لمشهد واحد مرعب…
صوتٌ مهلك… رجفةٌ قاتلة… وعذابٌ يلفّهم من السماء…
وفي لحظات… انتهى كل شيء.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾
أموالهم؟ ذهبت.
تجارتهم؟ انتهت.
جبروتهم؟ أصبح ذكرى.
أما شعيب عليه السلام…
فوقف ينظر إلى قومه بعد الهلاك… لا شماتة… بل حزن نبي:
﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 93]
الله المستعان
غصون



