قصة لقمان الحكيم
من هو لقمان؟
لقمان رجل صالح حكيم، ذكره الله تعالى في القرآن الكريم وخصّص له سورة كاملة باسمه هي السورة الحادية والثلاثون. اختلف العلماء في نسبه واصله اختلافاً كبيراً:
قيل إنه كان نوبياً من بلاد النوبة (جنوب مصر وشمال السودان)
وقيل إنه كان حبشياً
وقيل إنه كان من أهل مصر
وقيل من بلاد الشام
أما عن زمانه، فالراجح عند أهل العلم أنه عاش في زمن النبي داود عليه السلام وأخذ منه العلم والحكمة.
هل كان نبياً أم رجلاً صالحاً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
الجمهور على أنه كان رجلاً صالحاً حكيماً وليس نبياً
وذهب بعضهم إلى أنه كان نبياً، لكن هذا القول ضعيف عند المحققين
والدليل على الأول قوله تعالى في الآية العاشرة من سورة لقمان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
فوصفه الله بالحكمة ولم يصفه بالنبوة، والحكمة تُعطى للأنبياء وغيرهم.
مهنته وحاله
ذكر أهل التفسير أن لقمان كان:
خياطاً أو نجاراً أو راعياً للأغنام — وتتعدد الروايات في ذلك
كان رجلاً من عامة الناس ثم آتاه الله الحكمة
وردت قصة مشهورة عند المفسرين أن سيده طلب منه ذات يوم أن يذبح شاةً ويأتيه بأطيب ما فيها، فأتاه باللسان والقلب، ثم طلب منه في يوم آخر أن يأتيه بأخبث ما فيها، فأتاه أيضاً باللسان والقلب. فسأله سيده عن ذلك، فقال: “هما أطيب ما فيها إن طابا، وأخبث ما فيها إن خبثا.” وهذا يدل على عمق حكمته.
الحكمة التي آتاه الله إياها
قال الله تعالى في مطلع قصته — سورة لقمان، الآية ١٢:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
ففي هذه الآية:
الحكمة أول ما تجلّت فيه هي شكر الله تعالى، وهذا يدل على أن الشكر هو رأس الحكمة وأسها
الشكر نفعه يعود على الشاكر نفسه لا على الله، لأن الله غني حميد
الكفر بالنعمة لا يضر الله شيئاً
وصايا لقمان لابنه — بالتفصيل الكامل من القرآن
هذا هو لبّ القصة ومحورها الأساسي، وقد وردت في الآيات من ١٣ إلى ١٩ من سورة لقمان. وكانت وصايا لقمان لابنه درساً خالداً للبشرية كلها.
الوصية الأولى: النهي عن الشرك
الآية ١٣:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
الشرح:
بدأ لقمان وصاياه بأعظم مسألة وهي التوحيد، ونهى عن الشرك قبل كل شيء
ناداه بـ “يا بُنَيّ” بصيغة التصغير، وهي صيغة الحنان والرحمة والتقريب، ففيها دفء الأبوة مع جدية الموعظة
علّل النهي بأن الشرك ظلم عظيم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. فمن أشرك بالله فقد ظلم نفسه بحرمانها من التوحيد، وظلم ربه بأن جعل له شريكاً، وهذا أعظم الظلم
اعتراض قرآني: حق الوالدين
الآيتان ١٤–١٥:
هنا يقطع الله تعالى سياق وصايا لقمان بآيتين يتحدث فيهما عن حق الوالدين، تأكيداً لأهمية هذا الحق، ثم يستأنف وصايا لقمان:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
الشرح:
الأم تحمل ولدها في وهن على وهن، أي ضعف فوق ضعف، كل يوم أثقل من الذي قبله
الفصال في عامين: أي الرضاعة تمتد عامين كاملين
أُمر الإنسان بشكر الله ثم شكر الوالدين في نسق واحد، مما يدل على عِظَم مكانة الوالدين
لكن إن أمر الوالدان بالشرك فـلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع الإبقاء على حسن الصحبة والمعروف معهما في أمور الدنيا
الوصية الثانية: مراقبة الله والإحساس بعظمته
الآية ١٦:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
الشرح:
حبة الخردل: من أصغر البذور المعروفة في البيئة العربية وتُضرب مثلاً للشيء الصغير جداً
حتى لو كانت هذه الحبة داخل صخرة صماء، أو في أعماق السماوات، أو في باطن الأرض — فالله يعلمها ويأتي بها
الختام بـ “لطيف خبير”: اللطيف يعلم الخفايا الدقيقة، والخبير مطلع على كل شيء
الهدف من هذه الوصية: تربية الرقابة الداخلية، أن يشعر الإنسان أن الله يراه في كل لحظة وفي كل حال
الوصية الثالثة: إقامة الصلاة
الآية ١٧ — الجزء الأول:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾
الشرح:
جاءت الصلاة بعد التوحيد ومراقبة الله مباشرة، لأنها عماد الدين وصلة العبد بربه
قال “أقِم” ولم يقل “صلِّ”، لأن الإقامة أشمل: تعني المواظبة والإتمام وأداءها على الوجه الصحيح في أوقاتها
الوصية الرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الآية ١٧ — الجزء الثاني:
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
الشرح:
هذه الوصية تُخرج الإنسان من دائرة الفردية إلى المسؤولية الاجتماعية
المعروف: كل ما أمر به الشرع وعرفته الفطرة السليمة
المنكر: كل ما نهى عنه الشرع وأنكرته الفطرة السليمة
الوصية الخامسة: الصبر على الأذى
الآية ١٧ — الجزء الثالث:
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
الشرح:
لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علم أن من يفعل ذلك سيُؤذَى لا محالة، فجاء الأمر بالصبر مباشرةً بعده
“من عزم الأمور”: أي من الأمور التي يجب العزم عليها والحزم فيها، وهي الأمور التي لا يتهاون فيها أصحاب الهمم العالية
الوصية السادسة: النهي عن الكبر والخيلاء
الآية ١٨:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
الشرح:
“تُصَعِّر خدك”: الصَّعَر مرض يُصيب الإبل فيُميل عنقها. فالمعنى: لا تُمِل وجهك عن الناس تكبراً واحتقاراً لهم
“مَرَحاً”: أي خيلاء وتبختراً وكبراً
الختام بـ“مختال فخور”: المختال من يُظهر الخيلاء في مشيته وهيئته، والفخور من يتفاخر على الناس بما عنده
الله لا يُحب هذين الوصفين، وهذا أشد وعيد
الوصية السابعة: الاعتدال في المشي والصوت
الآية ١٩:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
الشرح:
“اقصد في مشيك”: امشِ مشياً وسطاً، لا بطيئاً متكاسلاً ولا سريعاً متكبراً
“اغضض من صوتك”: خفِّض صوتك، ولا ترفعه فوق الحاجة
ثم جاء التعليل الذي لم يترك لأحد حجة: “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير” — أي أقبح الأصوات وأشنعها صوت الحمار، فمن رفع صوته بغير حق فقد تشبّه بأقبح الأصوات وأنكره
لماذا خلّد الله قصة لقمان؟
لأن لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولا ذا سلطان، بل كان رجلاً عادياً آتاه الله الحكمة فأحسن استخدامها. وفي هذا رسالة للبشرية: الحكمة ليست حكراً على الأنبياء والملوك، بل هي منحة ربانية لمن أخلص في طلبها وشكر الله عليها.
وقصته مع ابنه نموذج خالد في التربية القرآنية: الحب والحنان في الخطاب، والعمق في المضمون، والشمول في المنهج.


