أمهات المؤمنين
زوجات النبي محمد ﷺ — سيرتهن وفضلهن ومكانتهن في الإسلام
مقدمة
أمهات المؤمنين هو اللقب الشريف الذي أعطاه الله عزَّ وجلَّ لزوجات النبي محمد ﷺ، إذ قال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ — سورة الأحزاب: 6.
فكان هذا اللقب شرفًا لا يُضاهى، ومنزلةً رفيعةً تفوق كل تكريم، إذ نسبهن الله تعالى إلى المؤمنين جميعًا نسبةَ الأمومة الروحية والتشريفية. وقد كانت هؤلاء النساء العظيمات نماذجَ حيَّةً للإيمان والصبر والعلم والتضحية، وكان لهن دور محوري في نقل السنة النبوية وتعليم المسلمين أمور دينهم ودنياهم.
أولًا: السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
أمُّ المؤمنين الأولى وسيدة نساء الجنة
النسب والمولد:
خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، وُلدت في مكة المكرمة نحو عام 556م. كانت من أشراف قريش وأثريائهم، وعُرفت في الجاهلية بـ”الطاهرة” لعفتها وكمال خلقها.
زواجها من النبي ﷺ:
لما سمعت بصدق محمد ﷺ وأمانته، عرضت عليه الزواج، فتزوجها وهو في الخامسة والعشرين وكانت هي في الأربعين. وأنجبت له ستة أبناء: القاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء رضي الله عنهم.
سبقها إلى الإسلام:
كانت رضي الله عنها أول من آمن بالله ورسوله، وأول من صلى مع النبي ﷺ، وأنفقت مالها كله في سبيل الإسلام الناشئ.
موقفها يوم الوحي:
لما عاد النبي ﷺ من غار حراء مرتجفًا، كانت خديجة أول من ثبَّته بتلك الكلمات الخالدة: “كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق.”
فضلها ومنزلتها:
بشَّرها النبي ﷺ ببيت في الجنة من قصب، وقال: “خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد.” وكان جبريل عليه السلام يُقرئها السلام من الله ومنه.
وفاتها:
توفيت في السنة العاشرة من البعثة قبيل الهجرة، فسُمِّيت تلك السنة “عام الحزن”. وكان النبي ﷺ يذكرها كثيرًا ويُثني عليها بعد وفاتها حتى كانت عائشة رضي الله عنها تقول: “ما غرتُ على أحد من نساء النبي ما غرتُ على خديجة.”
ثانيًا: السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها
أول من تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة
سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، كانت من السابقات إلى الإسلام. هاجرت مع زوجها الأول إلى الحبشة في سبيل الله، فلما توفي زوجها وأصبحت أرملةً وحيدة، تزوجها النبي ﷺ رعايةً بها وتكريمًا لإيمانها وهجرتها.
عُرفت رضي الله عنها بالطيبة والكرم والدعابة وكثرة الصيام والصدقة. ولما كَبِرت في السن وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها حبًا في النبي ﷺ ورغبةً في البقاء في عصمته حتى تُحشر زوجةً له.
ثالثًا: السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما
حبيبة رسول الله وأعلم نساء الأمة
نسبها:
عائشة بنت أبي بكر القرشية التيمية، وُلدت في مكة بعد البعثة بأربع سنوات. كانت أحبَّ أزواج النبي ﷺ إليه من النساء، وتوفي ﷺ في حجرتها وبين سحرها ونحرها.
علمها ورواياتها:
تُعدُّ من أكثر الصحابة رواية للحديث النبوي إذ بلغت رواياتها نحو 2210 أحاديث. قال عنها عطاء بن أبي رباح: “كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة.” وقال أبو موسى الأشعري: “ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.”
براءتها من السماء:
في حادثة الإفك أشاع المنافقون عنها ما ليس فيها، فصبرت حتى أنزل الله براءتها في القرآن الكريم في سورة النور — وهو شرف لم تنله امرأة سواها.
وفاتها:
توفيت رضي الله عنها سنة 58هـ في المدينة المنورة عن عمر 66 سنة، ودُفنت في البقيع.
رابعًا: السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
حافظة القرآن الكريم
حفصة بنت عمر القرشية العدوية، ترمَّلت من زوجها خنيس بن حذافة الشهيد في أُحد. تزوجها النبي ﷺ في السنة الثالثة للهجرة. قال فيها جبريل عليه السلام: “إنها صوَّامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة.”
كانت تقرأ وتكتب، وهو أمر نادر في النساء آنذاك. ولما جُمع القرآن في مصحف في عهد أبي بكر أُودع عندها، ثم استعاره عثمان رضي الله عنه لنسخ المصاحف الموحَّدة وإرسالها إلى الأمصار. وهكذا كانت رضي الله عنها أمينةً على كتاب الله. توفيت سنة 45هـ.
خامسًا: السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها
أم المساكين
زينب بنت خزيمة الهلالية، لُقِّبت بـ”أم المساكين” لكثرة إطعامها وكرمها المعروف قبل الإسلام وبعده. تزوجها النبي ﷺ بعد استشهاد زوجها في سبيل الله. توفيت رضي الله عنها بعد نحو ثمانية أشهر من زواجها في حياة النبي ﷺ، وهي إحدى زوجتين فقط توفيتا في حياته، والثانية هي خديجة رضي الله عنها.
سادسًا: السيدة أم سلمة رضي الله عنها
فقيهة أمهات المؤمنين
سيرتها:
هند بنت أبي أمية المخزومية القرشية، المعروفة بأم سلمة. هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ثم إلى المدينة. بعد استشهاد زوجها تزوجها النبي ﷺ سنة 4هـ. وكانت قد دعت الله أن يخلف لها خيرًا من زوجها، فأخلف الله لها رسولَه ﷺ.
موقفها في الحديبية:
في صلح الحديبية لما أحسَّ النبي ﷺ بتردد الصحابة في تنفيذ أمره، دخل عليها مهمومًا فأشارت عليه برأي حكيم: أن يخرج فيحلق وينحر دون أن يكلِّم أحدًا. فما إن فعل ﷺ حتى اندفع الصحابة يفعلون مثله. وكان رأيها رضي الله عنها سببًا في إنقاذ موقف عسير.
وفاتها:
روت عددًا كبيرًا من الأحاديث النبوية، وتوفيت سنة 62هـ وكانت من آخر أمهات المؤمنين وفاةً.
سابعًا: السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها
من زوَّجها الله من فوق سبع سماوات
زينب بنت جحش الأسدية، ابنة عمة النبي ﷺ. أنزل الله تعالى آيات صريحة تُزوِّج النبيَّ ﷺ منها بعد طلاق زيد بن حارثة لها، وذلك لإبطال عادة التبني في الجاهلية: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ — الأحزاب: 37.
وكانت رضي الله عنها تفخر بهذا وتقول: “زوَّجكن أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات.” وكانت كثيرة الصدقة تعمل بيدها وتتصدق بما تكسب. قال فيها النبي ﷺ: “أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا.” فكانت أول أمهات المؤمنين وفاةً بعده ﷺ سنة 20هـ.
ثامنًا: السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
أبرك النساء على قومها
جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق من قبيلة خزاعة. وقعت في الأسر عقب غزوة المريسيع، فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب الفكاك، فأسلمت وتزوجها ﷺ. فلما علم الصحابة أنها صارت من أزواجه أطلقوا جميع أسرى بني المصطلق — مئة بيت أو أكثر — قائلين: “أصهار رسول الله ﷺ.”
قالت عنها عائشة رضي الله عنها: “ما رأيت امرأةً أعظم بركةً على قومها منها.” وكانت رضي الله عنها كثيرة الذكر والتسبيح. توفيت سنة 56هـ.
تاسعًا: السيدة أم حبيبة رضي الله عنها
الثابتة على الإيمان في المهجر
رملة بنت أبي سفيان الأموية القرشية. هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فارتدَّ زوجها عن الإسلام وتوفي نصرانيًا، فوجدت نفسها في أرض الغربة وحيدةً ثابتةً على دينها. فأرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يخطبها له فزوَّجها إياه نيابةً عنه، وكان في ذلك تكريم لامرأة امتُحنت في دينها فصبرت.
ولما جاء أبوها أبو سفيان إلى المدينة مفاوضًا أراد أن يجلس على فراش النبي ﷺ فطوَته ومنعته وقالت: “هذا فراش رسول الله وأنت رجل مشرك.” توفيت رضي الله عنها نحو سنة 44هـ.
عاشرًا: السيدة صفية بنت حيي رضي الله عنها
من نسل الأنبياء
صفية بنت حيي بن أخطب، من بني إسرائيل من نسل هارون بن عمران عليه السلام. وقعت في الأسر عقب غزوة خيبر سنة 7هـ، فاختارت الإسلام والبقاء مع رسول الله ﷺ.
ولما عيَّرتها بعض أمهات المؤمنين بيهوديتها، قال لها النبي ﷺ مواسيًا: “ألا قلت: إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد.” توفيت رضي الله عنها نحو سنة 50هـ.
حادي عشر: السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها
آخر من تزوجها النبي ﷺ
ميمونة بنت الحارث الهلالية، خالة ابن عباس رضي الله عنه. تزوجها النبي ﷺ في السنة السابعة للهجرة حين اعتمر عمرة القضاء. كانت كريمةً تقيَّةً عابدة. أوصت أن تُدفن في سَرِف حيث بنى بها النبي ﷺ، فكان ذلك. توفيت رضي الله عنها سنة 51هـ.
خاتمة
قدَّمت أمهات المؤمنين للبشرية جمعاء نموذجًا خالدًا في الصبر والوفاء والتضحية، فعشن في بيوت متواضعة وصبرن على شظف العيش راضيات. وكان لهن دور بالغ الأهمية في حفظ السنة النبوية ونقل العلم الشريف للأمة من جيل إلى جيل. وقد خصَّهن الله تعالى بتشريع لم يُشرَع لسواهن، وحرَّم الزواج منهن بعد النبي ﷺ تعظيمًا لمقامهن.
امهات المؤمنين رضي الله عنهن









