تُطرح هذه الشبهة على أساس فهمٍ مشوَّه للرواية، مع تجاهلٍ لما فيها من قيود واضحة ترفع الإشكال من أساسه. والحقيقة أن النص لا يحمل أي دلالة على ما يُدّعى، بل هو من أوضح ما يكون في بيان الحشمة والانضباط.
الرواية ثابتة في أصح كتب الحديث، وفيها أن رجلين دخلا على
عائشة بنت أبي بكر
وسألاها عن كيفية غسل النبي ﷺ، فدعت بإناء واغتسلت لتُبيّن لهم، وكان بينها وبينهما حجاب.
«… فاغتسلت وأفاضت على رأسها، وبيننا وبينها حجاب»
— [صحيح البخاري (1/59)، صحيح مسلم (1/256)]
وهنا أول ما يُبطل الشبهة: أن الرجلين ليسا أجنبيين عنها، بل من محارمها؛ أحدهما أخوها من الرضاعة، والآخر ابن أختها من الرضاعة، فلا محل أصلًا للحديث عن اختلاط محرّم.
ثم إن الرواية نفسها نصّت على وجود الحجاب: “بيننا وبينها حجاب” و“ستر”، وهذا كافٍ لإسقاط أي توهم؛ إذ لا رؤية ولا كشف، وإنما تعليم من وراء ساتر.
والاعتراض القائل: “ما فائدة الاغتسال مع وجود الحجاب؟” يكشف عن عدم فهم لطبيعة التعليم؛ فإن المقصود ليس رؤية الجسد، بل بيان طريقة الاغتسال عمليًا، كإفاضة الماء على الرأس واستعمال مقدار معين من الماء. وهذا النوع من التعليم بالفعل أبلغ في الفهم من الوصف النظري.
وقد نبّه العلماء إلى هذا المعنى، فقال
يحيى بن شرف النووي:
«فيه استحباب التعليم بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس وأثبت في الحفظ»
— [شرح النووي على مسلم (4/4)]
كما أن الاغتسال داخل البيوت كان أمرًا طبيعيًا في ذلك الزمن، حيث لم تكن هناك حمّامات عامة بالشكل المعروف اليوم، وكان يُستعمل إناء أو مخضب مع ساتر، فلا غرابة أن يقع ذلك داخل غرفة مع وجود حجاب.
بل إن السنة نفسها فيها ما يوضح جواز وجود شخص آخر في المكان مع تحقق الستر، كما في حديث اغتسال النبي ﷺ، وكانت
فاطمة الزهراء
تستره بثوب:
«دخلت أم هانئ… والنبي ﷺ يغتسل، وفاطمة تستره بثوب»
— [صحيح البخاري (280)، صحيح مسلم (336)]
فإذا كان وجود شخص آخر في المكان مع الستر جائزًا، فكيف يُستنكر ذلك هنا مع زيادة كون الموجودين من المحارم؟
والأهم أن ما فعلته أم المؤمنين كان من باب تبليغ العلم، امتثالًا لأمر الله تعالى:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾
فهي لم تفعل ذلك عبثًا، بل لتعليم حكم شرعي يتعلق بالطهارة، وهو من أدق أبواب الفقه.
ولو كان في هذا الفعل أي مخالفة أو ريبة، لما سكت عنه الصحابة، وهم حاضرون، بل كانوا أول من ينكر، ولكن لم يُنقل عن أحد منهم أي اعتراض، مما يدل على أن الأمر كان واضحًا عندهم ولا إشكال فيه.
وخلاصة القول:
الرواية لا تتضمن كشفًا ولا اختلاطًا، بل هي:
- مع محارم
- ومن وراء حجاب
- وفي سياق تعليم شرعي
أما تحويلها إلى طعن، فمبناه سوء فهم للنص، وإغفال لقيوده، وإسقاط لمعانٍ لا يحتملها.


