موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي

نص الحديث وسببه:
روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: خلّف رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال علي: يا رسول الله، تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ:
«، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»
هذا هو الحديث في أصح رواياته وأثبتها، وهو حديث موقوف على سبب معين في زمان محدد ومكان محدد، وهو غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.


يقول الشيعة: إن النبي ﷺ شبّه منزلة عليٍّ منه بمنزلة هارون من موسى، ومنزلة هارون من موسى تشمل: الأخوّة، والوزارة، والخلافة. والنبي لم يستثن من هذه المنازل إلا النبوة فقط، فيثبت لعلي كل ما ثبت لهارون من موسى ما عدا النبوة، ومن ذلك: الخلافة والإمامة بعد الوفاة.
ويستدلون بقول الله تعالى على لسان موسى لهارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾، فيقولون: كما استخلف موسى هارون على قومه، فكذلك النبي ﷺ استخلف عليًّا على أمته.
الوجه الأول: هارون مات قبل موسى — وهذا مقتل الاستدلال
هذا أقوى وجوه الرد وأشدها إلزامًا للشيعة. فإن هارون عليه السلام لم يخلف موسى بعد وفاته، بل مات هارون قبل موسى بنحو أربعين سنة باتفاق أهل الكتاب والمفسرين. فلم يكن هارون قط خليفةً لموسى بعد موته، ولم تُجعل له إمامة الأمة من بعده، بل الذي خلف موسى على بني إسرائيل بعد وفاته هو يوشع بن نون.
فإذا كان الشيعة يريدون الاستدلال بالحديث على أن عليًّا هو الخليفة بعد وفاة النبي ﷺ — فقياسهم ينقلب عليهم، لأن المشبَّه به وهو هارون لم يكن خليفةً بعد وفاة موسى أصلاً! ولو أراد النبي ﷺ بهذا التشبيه الخلافة بعد الوفاة لقال: «أنت مني بمنزلة يوشع بن نون من موسى» لا بمنزلة هارون. فالتشبيه بهارون يدل على الاستخلاف في الحياة لا بعد الممات.
الوجه الثاني: الحديث ورد في سياق محدد وسبب معين
الحديث لم يُقَل في فراغ، ولم يكن إعلانًا عامًا لخلافة عليٍّ على الأمة. بل ورد في سياق ضيّق جداً: وهو أن علي رضي الله عنه تألّم لكونه خُلِّف في المدينة مع النساء والصبيان، وظنّ المنافقون أن النبي ﷺ أبعده استثقالاً له، فجاء هذا الكلام النبوي تطمينًا لعليٍّ وردًّا على المنافقين، لا إعلانًا للإمامة الكبرى.
وقاعدة أصول الفقه المعروفة: أن الكلام المقيّد بسبب معين لا يتجاوز سببه إلا بدليل، والقول بأن هذا التطمين الخاص أصبح نصًّا على الخلافة العامة — توسّعٌ لا دليل عليه.
الوجه الثالث: الاستخلاف انتهى برجوع النبي ﷺ
الخلافة التي أُعطيت لعليٍّ في هذه الغزوة كانت خلافة مؤقتة محدودة بزمن الغزوة فحسب، وانتهت بمجرد رجوع النبي ﷺ إلى المدينة. فالاستخلاف الجزئي المؤقت في حياة النبي لا يدل بأي منطق على الخلافة الكلية بعد مماته. وهذا كمن يُوكَّل على بيت صاحبه أيام سفره، فلا يُعدّ ذلك دليلاً على أنه صاحب البيت الحقيقي إلى الأبد.
الوجه الرابع: غير عليٍّ استُخلف بنفس الطريقة في غزوات كثيرة
هذا وجه بالغ الأهمية، يُبيّن أن الاستخلاف لم يكن خاصًّا بعليٍّ رضي الله عنه، بل استُخلف غيره في مناسبات عديدة:
استُخلف ابن أم مكتوم رضي الله عنه على المدينة في غزوة أحد، وغزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وغزوة بني لحيان، وغيرها — وهو أعمى!
استُخلف عثمان بن عفان في غزوة غطفان.
استُخلف أبو رهم الغفاري في غزوة الحديبية.
استُخلف سباع بن عرفطة في غزوة خيبر.
فهل يقول الشيعة بإمامة ابن أم مكتوم الأعمى؟! إن كان الاستخلاف دليلاً على الإمامة الكبرى فليقولوا ذلك، وإن كان لا يدل عليها في حقّ هؤلاء فكذلك لا يدل عليها في حق عليٍّ.
الوجه الخامس: التشبيه لا يستلزم المساواة في كل الأوجه
التشبيه في اللغة العربية وعلم البلاغة لا يقتضي التشابه في جميع الأوجه، بل يكفي وجه مشترك واحد يصحّ التشبيه من أجله. فحين يقول النبي ﷺ لعليٍّ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» — فالوجه المقصود هو ما يناسب المقام، وهو: القرابة، والمكانة، والاستخلاف في الحياة عند الغياب. أما سائر أوجه الشبه فلا تدخل تلقائياً ما لم يدل عليها دليل خاص. والشيعة يريدون استيراد كل صفات هارون لعليٍّ دون دليل، وهذا تحكّم لا يقبله منهج علمي.
الوجه السادس: النبي ﷺ استخلف أبا بكر على الصلاة في مرضه إيذانًا بالخلافة
لو كان حديث المنزلة نصًّا على خلافة عليٍّ، فكيف يُفسَّر أن النبي ﷺ لما اشتدّ به المرض أمر أبا بكر الصديق أن يصلي بالناس؟ وقد طلب النبي ذلك مرارًا، وأبى إلا أبا بكر حين اقترحت عائشة رضي الله عنها غيره. والصلاة بالناس في الإسلام لها دلالة عظيمة على الإمامة، وقد فهم الصحابة الكرام هذا الفهم، وبايعوا أبا بكر على هذا الأساس. فلو كان ثمة نص على عليٍّ لما خالفه النبي ﷺ بتقديم أبي بكر للصلاة.
الوجه السابع: عليٌّ نفسه لم يحتج بهذا الحديث في سقيفة بني ساعدة
لو كان حديث المنزلة نصًّا صريحًا على إمامة عليٍّ — فلماذا لم يحتجّ به عليٌّ رضي الله عنه نفسه يوم السقيفة؟ لو كان يعلم أن النبي نصّ عليه بالخلافة لكان أول من يُعلنه ويحتج به في ذلك اليوم الحاسم. بل إن عليًّا رضي الله عنه بايع أبا بكر وعمر وعثمان وشهد لهم بالخير، وكان وزيرًا ومستشارًا لهم، ولم يُنكر خلافتهم ولم يقل في يوم من الأيام إنهم غصبوا حقه بموجب نص نبوي.
الوجه الثامن: الزيادة «وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي» لا تثبت
يتعلق بعض الشيعة بزيادة وردت في بعض الروايات بلفظ: «أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي». وهذه الزيادة تفرّد بها راوٍ متكلَّم فيه وهو أبو بلج يحيى بن أبي سليم الفزاري، وقد حكم عليها المحدثون بالنكارة والضعف. أما الرواية الصحيحة المتفق عليها فليس فيها هذه الزيادة البتة. ومن القواعد الأصولية المقررة أن الزيادة الشاذة لا تقوم بها حجة، لا سيما إذا خالفت الروايات الأصح.
الوجه التاسع: فضل منزلة أبي بكر الصديق جاء بأبلغ تعبير
إذا كانت منزلة هارون من موسى تدل على الخلافة — فلننظر ماذا قيل في أبي بكر الصديق. فقد ورد أن النبي ﷺ قال: «أبو بكر مني بمنزلة الدين من الجسد» — وأيّ منزلة أعظم: منزلة الأخ الوزير، أم منزلة الدين من الجسد كله؟! وورد: «أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر». فلو جرينا على منطق الشيعة في استخراج الخلافة من التشبيه — لكان أبو بكر أولى من عليٍّ بكثير.
بل قال النبي ﷺ في غزوة تبوك نفسها التي قيل فيها حديث المنزلة، لما سُئل عمّن يؤمر على المدينة بعد رجوعه: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» — وهذا تصريح باسمه بخلاف حديث المنزلة الذي لم يأتِ فيه تصريح بالخلافة.
الوجه العاشر: إجماع الصحابة حجة قاطعة
أجمع الصحابة الكرام — وفيهم علي بن أبي طالب نفسه — على خلافة أبي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان. وهذا الإجماع من الصحابة الذين عاشوا مع النبي ﷺ وسمعوا حديث المنزلة — دليل قاطع على أنهم جميعًا لم يفهموا منه نصًّا على إمامة عليٍّ. ومن المستحيل أن يكون النبي ﷺ قد نصّ صراحةً على شخص بعينه، ثم يتجاهل هذا النص أصحابه كلهم بمن فيهم المنصوص عليه! فإجماعهم دليل على أن الحديث لا يفيد ما يدّعيه الشيعة.
الرد على شبهة: «النبي لم يستثن إلا النبوة فكل المنازل ثابتة لعلي»
يقول الشيعة: النبي ﷺ استثنى من منازل هارون النبوةَ فقط، فوجب أن تثبت لعليٍّ كل منازل هارون ما عدا النبوة، ومنها: الإمامة والخلافة.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن استثناء النبوة لم يكن لأنها هي الوحيدة التي لا تثبت لعليٍّ، بل لأنها هي المحتملة التي قد يُتوهَّم دخولها في التشبيه، فأزال النبي ﷺ هذا التوهم بالاستثناء. وليس معنى ذلك أن كل ما عدا النبوة يثبت تلقائياً. فكم من تشبيه في اللغة يُستثنى منه شيء واحد ولا يعني ذلك إثبات كل الباقي.
الوجه الثاني: وهو الأقوى — أن الخلافة بعد الوفاة لم تثبت لهارون أصلاً حتى تستثنى! فلا يُستثنى إلا ما كان ثابتًا، وهارون مات قبل موسى ولم يخلفه بعد وفاته، فمن أين تأتي الخلافة بعد الوفاة حتى تُثبَت لعليٍّ؟
خاتمة
خلاصة القول: حديث المنزلة حديث صحيح عظيم يدل على جليل منزلة علي رضي الله عنه ورفيع مكانته عند رسول الله ﷺ، وهو من مناقبه التي يُحبها أهل السنة ويُثبتونها. لكنه لا يدل بأي وجه من الوجوه العلمية على إمامة عليٍّ وخلافته المنصوص عليها بعد وفاة النبي ﷺ، وذلك من عشرة أوجه اتضحت في هذا المقال:
١. هارون مات قبل موسى فلا خلافة له بعد وفاته.
٢. الحديث ورد لسبب خاص في زمن محدد.
٣. الاستخلاف انتهى برجوع النبي ﷺ.
٤. غير عليٍّ استُخلف في غزوات كثيرة.
٥. التشبيه لا يستلزم المساواة في كل الأوجه.
٦. النبي ﷺ قدّم أبا بكر للصلاة إيذانًا بخلافته.
٧. علي نفسه لم يحتج بالحديث يوم السقيفة.
٨. الزيادة الدالة على الخلافة ضعيفة لا تثبت.
٩. فضائل أبي بكر الواردة أبلغ في التعبير.
١٠. إجماع الصحابة دليل على عدم فهم النص منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.