هل يختلف قول «يا علي» عن قول «يا ودّ ويا سواع»؟ قراءة في حقيقة التوسل والدعاء
من أكثر الشبهات تداولًا عند القائلين بالتوسل بالأموات زعمهم أن نداءهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يشبه نداء المشركين لأصنامهم كودّ وسواع، وأن بين الأمرين فرقًا جوهريًا في المعنى والحكم. غير أن هذا التفريق – عند التحقيق – تفريقٌ لفظي لا حقيقي، لأن العبرة في باب التوحيد ليست بالأسماء ولا بالأشخاص، وإنما بحقيقة الفعل ومقصده.
فالمشركون الأوائل لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تخلق أو ترزق استقلالًا عن الله، بل كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق المدبّر، كما نصّ القرآن على ذلك في غير موضع، ومع هذا لم يعذرهم الله، بل كفّرهم وحكم بشركهم. والسبب أن شركهم لم يكن في الخلق، وإنما كان في الدعاء والعبادة، إذ صرفوا نوعًا من العبادة لغير الله.
قال تعالى:
﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾.
فهؤلاء دعوا غير الله، وعلّقوا قلوبهم بوسائط زعموا أنها تقرّبهم إلى الله.
وهنا تأتي المفارقة الواضحة: فالمتوسل اليوم حين يقول «يا علي اشفني» أو «يا علي اقض حاجتي» أو «يا علي أغثني»، لا يختلف في حقيقة فعله عن أولئك، لأن الدعاء عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك بنص الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة».
والقرآن لم يفرّق في النهي بين صنم أو ولي أو نبي، بل جاء النهي عامًا قاطعًا، فقال الله تعالى:
﴿ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين﴾.
فالآية لم تقل: لا تدعُ الأصنام فقط، وإنما قالت: ما لا ينفعك ولا يضرّك، وهذا يشمل كل مخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا بعد موته، مهما علت منزلته.
بل إن الله سبحانه حكى شبهة المشركين نفسها التي يكررها بعض المتوسلين اليوم، فقال:
﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
فهم لم يقولوا: نعبدهم من دون الله استقلالًا، وإنما قالوا: نتخذهم وسائط. ومع ذلك حكم الله عليهم بالكفر، لأن اتخاذ الوسائط في الدعاء شرك، ولو سُمّي توسّلًا.
ويزداد الأمر وضوحًا حين يقول الله تعالى:
﴿ومن أضلّ ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾.
فالميت – أيًا كان – لا يسمع دعاء المستغيث ولا يملك إجابة الطلب، فكيف يُدعى من دون الله؟ وكيف يُرجى منه ما لا يقدر عليه إلا الله؟
ولو كان هذا الفعل خيرًا أو جائزًا، لسبقنا إليه الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعلم الناس بالتوحيد وأشدهم حبًا لعلي وللنبي ﷺ. فلم يُنقل عن واحد منهم أنه قال بعد وفاة النبي ﷺ: «يا محمد أغثنا»، ولا قال: «يا علي اقض حاجتنا»، مع وقوعهم في الشدائد والكروب. وتركهم لذلك مع قيام المقتضي وانتفاء المانع دليل قاطع على أن هذا الفعل ليس من الدين.
أما التوسل المشروع الذي جاءت به الشريعة، فهو واضح لا غموض فيه: التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بالأعمال الصالحة، والتوسل بدعاء الرجل الصالح الحي القادر على الدعاء. ولم يأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ توسلٌ بالأموات ولا دعاءٌ لهم، لا لعلي ولا لغيره.
وبناءً على ذلك، فإن الفرق بين «يا ودّ» و«يا سواع» و«يا علي» ليس فرقًا في الحقيقة، وإنما هو فرق في الأسماء فقط، أما المضمون فهو واحد: صرف الدعاء لغير الله. وتبديل الاسم لا يغيّر الحكم، كما أن تبديل الصنم بحجر أو بشر لا يخرج الفعل من كونه شركًا.
فالتوحيد الذي جاء به الأنبياء واحد، لا يقبل الشرك مهما تغيّرت صوره، والله سبحانه يقول:
﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾. غصون
