موقع غصون بنت الصديقة

محتوى ديني للرد على شبهات الشيعة والمخالفين ونصرة امهات المؤمنين والصحابة

قراءة نقدية منهجية لرواية التهديد بإحراق البيت

تُثار في بعض الروايات الرافضية رواية تُنسب إلى مرحلة ما بعد وفاة النبي ﷺ، يُفهم منها وجود تهديد بإحراق بيت فاطمة رضي الله عنها. ونظرًا لما يترتب على هذه الرواية من نتائج عقدية وتاريخية خطيرة، فإن دراستها تستلزم اعتماد المنهج العلمي المعتمد في نقد الأخبار، القائم على فحص الإسناد والمتن، والنظر في مجموع الروايات الواردة في الباب، وتحليلها وفق القواعد المقررة دون انتقاء أو توجيه مسبق.

أول ما يواجه الباحث في هذه الرواية مسألة اتصال السند، وهو شرط أساس في قبول الأخبار. وبفحص الإسناد الذي ورد فيه لفظ التهديد، يتبيّن أن ناقل القصة لم يدرك زمن الواقعة المنسوبة، ولم يصرّح بتلقيه الخبر عمّن شهدها. وهذا النوع من الروايات يُصنَّف عند أهل الاختصاص ضمن الأخبار المرسلة أو المنقطعة، إذ يروي الراوي حادثة سابقة على زمن إدراكه دون بيان الواسطة. ومثل هذا الانقطاع كافٍ في ذاته لإسقاط الاحتجاج بالرواية، لا سيما في القضايا التي تمس العدالة أو تنسب أفعالًا جسيمة إلى شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي.

ويتعزز هذا الحكم عند النظر في تعدد طرق الرواية واختلاف ألفاظها؛ إذ يظهر أن القصة نفسها قد وردت من عدة طرق، أكثرها يخلو تمامًا من لفظ التهديد بالإحراق، بينما انفردت به رواية واحدة فقط. والمنهج الحديثي المستقر يقرر أن الزيادة إذا انفرد بها راوٍ واحد وخالفت ما رواه غيره ممن يشاركونه في الأصل أو يفوقونه عددًا وضبطًا، فإن هذه الزيادة تُعدّ شاذة، ولا يُصار إلى قبولها إلا بقرائن قوية، وهي غير متوفرة في هذه الحالة.

كما أن المقارنة الدقيقة بين الروايات تكشف عن اضطراب في النقل، حيث رُويت الواقعة نفسها بلفظين مختلفين في موضع جوهري، مرة مع ذكر التهديد ومرة بدونه، بل ومن المسار الإسنادي ذاته. والاضطراب – خصوصًا إذا تعلّق بجملة محورية تُغيّر فهم الحدث – قرينة قوية على ضعف الرواية، لأن الوقائع الكبرى لا يُتصوَّر أن تُنقل بهذا التفاوت لو كانت محفوظة ضبطًا واستقرارًا.من المعلوم عند أهل الإسلام أن أول شرط لقبول الرواية وصحتها هو اتصال السند، وهذه الرواية محل البحث فيها انقطاع ظاهر؛ لأن أَسْلَمَ العَدَوِيَّ مولى عمر بن الخطاب لم يشهد هذه الحادثة ولم يدركها، فكيف اطّلع على ما جرى داخل البيت بعد خروج عمر؟!

وهذا يدل بوضوح على أن أسلم العدوي تلقى الخبر عن شخص آخر، ولم يكن حاضرًا للواقعة بنفسه، بل هذا هو المتعين في المسألة؛ إذ إن أسلم العدوي كان من سبي عين التمر، وكان ذلك في سنة 12 هـ، كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.
والنبي ﷺ توفي في ربيع الأول سنة 11 هـ،
وابنته فاطمة رضي الله عنها توفيت في شهر رمضان من العام نفسه بعد ستة أشهر من وفاة أبيها، كما في صحيح البخاري والبداية والنهاية.

وعليه؛ فإن الواقعة – لو سُلِّم بصحتها – تكون قد وقعت سنة 11 هـ في حياة فاطمة رضي الله عنها، بينما أسلم العدوي لم يدخل في ملك عمر إلا سنة 12 هـ، فيثبت بذلك أنه لم يعاصر الواقعة أصلًا، وهذا انقطاع بيِّن لا شك فيه.

ولإلزامهم نذكر كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في الرواية التي يستدلون بها من صحيح البخاري، حيث قال في فتح الباري (8/583):
[هذا السياق صورته الإرسال لأن أسلم لم يدرك زمن هذه القصة…]
وهذا النص وحده كافٍ في إسقاط استدلالهم، لأنه يقرر أن أسلم لم يشهد الواقعة.

أين ذهبت شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي يبالغ الرافضة في ذكرها، حتى جعلوه – بزعمهم – أشجع من رسول الله ﷺ؟!
ومع ذلك يرضون بأن يصوروه عاجزًا ساكتًا عن تهديد بحرق بيته، وهذا تناقض واضح.

لو صح أن عمر هدد عليًا رضي الله عنه، فكيف يمدحه علي ويشهد له باتباع سنة النبي ﷺ كما ثبت في مسند أحمد وغيره؟!

بل كيف يحب علي أن يلقى الله بعمل مثل عمل عمر، كما صرح بذلك في أصح الروايات؟!

وكيف يقرر علي بنفسه أن خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر؟!

فهل يعقل أن يقول هذا فيمن يزعم الرافضة أنهم أحرقوا بيته أو هددوه

ومن جهة التحليل المتني، فإن الرواية – حتى على فرض التسليم بصحتها جدلًا – لا تتضمن نصًا صريحًا بتهديد صاحبة البيت نفسها، ولا تفيد وقوع الفعل، وإنما جاء فيها خطاب موجَّه إلى جماعة معينة بصيغة تهديد مشروط. وأهل التحقيق يفرّقون بين التهديد اللفظي وبين الفعل الواقعي، كما يقررون أن النص لا يُحمَّل ما لا يحتمله لفظه ولا سياقه، ولا يُستنبط منه ما يتجاوز دلالته الظاهرة.

ويُضاف إلى ذلك أن متن الرواية يصطدم بما ثبت تاريخيًا من وقائع محكمة ومتعددة تدل على وجود التعاون والموالاة والتقدير المتبادل بين الأطراف المعنية، فضلًا عن التصريحات المتكررة التي تفيد الرضا والانسجام العملي في المرحلة اللاحقة. والمنهج العلمي يقتضي عند التعارض الظاهر أن يُردّ المختلف فيه إلى الثابت المتفق عليه، لا أن تُهمل النصوص المحكمة لصالح رواية ضعيفة أو مضطربة.

كما أن من القواعد الأصولية المعتبرة في نقد الأخبار النظر في اللوازم المترتبة على تصحيح الرواية؛ إذ إن قبولها يستلزم اتهام عدولٍ مشهورين بأفعال تتنافى مع ما عُرف عنهم من السيرة العملية، كما يستلزم نسبة السكوت عن الظلم إلى من عُرفوا بالإنكار وعدم المداهنة في الحق. وكل رواية يؤدّي تصحيحها إلى لوازم باطلة أو متناقضة مع الأصول الثابتة تُعدّ مردودة من جهة المعنى، حتى لو سُلِّم جدلًا ببعض ظاهرها.

ويلاحظ أيضًا أن توظيف هذه الرواية يتم غالبًا بمنهج انتقائي غير علمي، حيث يُتمسّك بلفظٍ مختلف فيه، ويُغفل في المقابل عددًا من الروايات الصحيحة الثابتة التي تخالفه في الدلالة. والمنهج الأكاديمي الرصين يقتضي جمع المادة الحديثية والتاريخية كاملة، ثم دراستها دراسة شاملة، وترجيح بعضها على بعض وفق قواعد مضبوطة، لا وفق نتائج مسبقة.

وى الإمام أحمد في مسنده عن عليٍّ رضي الله عنه قال:
[ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْرِ مَا قُبِضَ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ بِعَمَلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَعُمَرُ كَذَلِكَ

عن عُقْبَة بْن الْحَارِثِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ، وَعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَلْعَبُ مَعَ غِلْمَانٍ، فَاحْتَمَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَا بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ … لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيِّ، قَالَ: وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ]
وأيضا جاء في صحيح البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ:
[وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ].

فعليُ بن أبي طالب هنا يُصِرَّح أنه يحب أن يلقى اللهَ بعمل مثل عَمَلِ عمرَ بن الخطاب!!

وبناءً على مجموع ما سبق، يمكن تقرير أن رواية التهديد بإحراق البيت لا تثبت من جهة الإسناد لوجود الانقطاع والاضطراب، ولا تستقيم من جهة المتن لمخالفتها الثابت المشهور، كما أن اللوازم المترتبة على تصحيحها تُظهر بطلانها من حيث المعنى والمنهج. وعليه، فإن اعتمادها أصلًا في بناء تصورات تاريخية أو أحكام عقدية يُعد مخالفة صريحة لقواعد البحث العلمي والنقد الحديثي المعتمد.