يستدلّ بعضهم بقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]
على أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنها نصّ في ولايته الخاصة بعد رسول الله ﷺ.
غير أن هذا الفهم لا يصمد أمام التحقيق العلمي المنهجي، لا من جهة اللغة، ولا من جهة السياق، ولا من جهة الرواية.
أولًا: السياق القرآني يرفض التخصيص
الآيات قبلها وبعدها تتحدث بوضوح عن الولاء العام للمؤمنين، والنهي عن موالاة اليهود والنصارى، ثم بيان أن الولاية الحقة هي لله ورسوله وجماعة المؤمنين.
ولو كانت الآية نصًّا في إمامة شخص بعينه، لكان ذلك خروجًا مفاجئًا عن سياق السورة دون أي قرينة واضحة، وهو ما لا يليق بأسلوب القرآن.
ثانيًا: اللفظ جمع لا مفرد
الآية تقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿يُقِيمُونَ﴾، ﴿يُؤْتُونَ﴾
وكلها ألفاظ جمع، ولا يصح حملها على فرد واحد إلا بدليل قطعي، وهو غير موجود.
ولو أراد الله عليًا وحده لقال: والذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وهو راكع، لكن القرآن لم يفعل.
ثالثًا: قصة التصدّق في الركوع لا تثبت
الروايات التي تزعم أن عليًا تصدّق بخاتمه وهو راكع:
- ضعيفة السند
وقد ضعفها كبار المحدثين، منهم:
- ابن تيمية
- ابن كثير
- الذهبي
- ابن حجر
بل إن بعض علماء الشيعة أنفسهم أقرّوا بضعف طرقها.
رابعًا: معنى “الولي” في الآية
الولاية هنا ولاية الإيمان والنصرة والمحبة، لا ولاية الحكم والإمامة.
وهذا المعنى هو المستعمل في عشرات الآيات:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
فهل يعني هذا أن كل مؤمن حاكم على الآخر؟ قطعًا لا.
خامسًا: لو كانت الآية نصًّا في الإمامة لاحتجّ بها عليّ
وهو الأهم:
- لم يحتجّ بها علي رضي الله عنه في السقيفة
- ولا في خلافته
فهل يُعقل أن يُترك نص قرآني صريح في الإمامة دون استدلال به في أعظم موضع خلاف في الأمة؟
وعلي بن أبي طالب إمامٌ عظيم القدر، جليل المنزلة، نحبه ونتولاه، لكننا نرفض أن يُنسب إلى القرآن ما لم يقله، أو أن يُحمَّل النص ما لا يحتمل.
فمكانة علي ثابتة بالدين، لا تحتاج إلى روايات ضعيفة ولا تأويلات متكلّفة.
الله المستعان بقلم غصون بنت الصديقة




